Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رؤيتي

حديث الوطن (1) بعد الأرجنتين … ماذا بقي لنا من المباراة؟

بقلم د. خالد عمران نائب رئيس جامعة سوهاج

في حياة الأمم لحظاتٌ تبدو عابرة، لكنها تكشف، إذا أحسنّا تأملها، كثيرًا مما يسكن وجدانها. وقد تكون مباراة في كرة القدم واحدة من تلك اللحظات؛ تبدأ بصافرة حكم، وتنتهي بصافرة أخرى، بينما يظل صداها يتردد طويلًا في العقول قبل أن يتردد في الملاعب.
هكذا بدت لي مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026.
لم تكن مجرد مواجهة بين منتخبين، ولا فصلًا جديدًا في بطولة يتابعها الملايين، وإنما كانت لحظة وطنية اجتمع فيها المصريون على قلب واحد. في تلك الساعات لم تكن البيوت تعرف انتماءً إلا لمصر، ولم تكن الأعين تتابع الكرة وحدها، بل كانت تتابع حلمًا يرى أبناء هذا الوطن وهم يقفون أمام أحد أكبر منتخبات العالم بثبات وثقة وشجاعة.
ولعل هذا هو السر الذي يمنح الرياضة مكانتها في وجدان الشعوب؛ فهي، في لحظات معينة، تختصر معنى الانتماء في مشهد واحد، وتجعل ملايين البشر يلتقون حول علم واحد، ونشيد واحد، وأمنية واحدة. وحين يحدث ذلك، لا يعود اللاعب مجرد رياضي، بل يصبح سفيرًا لوطن، وتغدو كل لمسة للكرة رسالة تقول إن هذا البلد حاضر، وقادر، ويستحق مكانه بين الكبار.
وأعترف أنني لست من أولئك الذين يقيسون أيامهم بمواعيد المباريات، لكنني كنت، في تلك الليلة، واحدًا من ملايين المصريين الذين تابعوا منتخبهم بكل ما يحمله القلب من رجاء. ولم يكن رجائي متعلقًا بالنتيجة وحدها، بل كان متعلقًا بالصورة التي ستظهر بها مصر أمام العالم. وقد جاءت الصورة، في تقديري، مشرّفة، لأن أبناءنا لعبوا بروح المقاتل، وثقة الواثق، وعزيمة من يدرك أن احترام المنافس يبدأ من احترام الذات.
وربما لم يتحقق الحلم الذي تمنيناه جميعًا، لكن المنتخب خرج وقد ربح شيئًا لا تمنحه كل البطولات؛ ربح احترام جماهيره، وأعاد إلى كثير من المصريين شعورًا جميلًا بأن هذا الوطن لا تنقصه القدرة على المنافسة، وإنما يحتاج دائمًا إلى الإعداد الجيد، والعمل المتقن، والإيمان بأن الوصول إلى القمة ليس حكرًا على أحد.
غير أن ما استوقفني بعد المباراة لم يكن ما حدث داخل المستطيل الأخضر، بل ما حدث خارجه.
فما إن هدأت أصوات المعلقين، حتى ارتفعت أصوات أخرى، وبدأت مباراة من نوع مختلف. امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بتحليلات لا تنتهي، وتعددت الروايات حتى بدا وكأن كل واحد منا قد شاهد مباراة غير التي شاهدها الآخر. رأى بعضهم أن النتيجة لا يمكن تفسيرها إلا بالمؤامرة، وربطها آخرون بحسابات السياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، وذهب فريق ثالث إلى تحميلها ما لا تحتمل من قضايا التاريخ والهوية والدين، حتى كادت مباراة لكرة القدم تصبح مرآةً لكل خلافات العالم.
ولست أكتب هذا دفاعًا عن حكم، ولا تبرئةً لمؤسسة، ولا إنكارًا لاحتمال وقوع أخطاء تحكيمية أو مصالح رياضية، فكل نشاط إنساني يظل قابلًا للخطأ. لكن الذي شد انتباهي حقًا هو ميلنا، في كثير من الأحيان، إلى البحث عن أكثر التفسيرات إثارة، بينما نهمل أكثرها هدوءًا ومنطقًا. وكأننا لم نعد نكتفي بالحدث كما وقع، بل نصر على أن نضيف إليه من خيالنا ما يجعله أكثر صخبًا وأبعد عن الحقيقة.
ولعل المشكلة ليست في المباراة، وإنما في الطريقة التي ننظر بها إلى الأحداث. فالأمم لا تُقاس فقط بما يحدث لها، وإنما بالطريقة التي تقرأ بها ما يحدث. وقد يكون الحدث واحدًا، لكن الفارق كله يكمن في زاوية النظر إليه، وفي الدرس الذي نستخلصه منه، وفي المساحة التي نمنحه إياها داخل وعينا.
هناك فرق كبير بين أن نهتم بشيء، وأن نجعله يستحوذ على كل اهتمامنا. وبين أن نحزن لخسارة مباراة، وأن نتعامل معها وكأنها هزيمة وطن. فالمشاعر الوطنية الصادقة لا تحتاج إلى مبالغة، والانتماء الحقيقي لا يُقاس بحدة الانفعال، وإنما بعمق المسؤولية.
لقد فرحت، كما فرح كل مصري، وأنا أرى منتخب بلادي ينافس بشجاعة، وحزنت، كما حزن غيري، لأن الحلم كان أكبر. لكن هذا الفرح، وذلك الحزن، لا ينبغي أن يحجبا عنا حقيقة أكثر رسوخًا، وهي أن الأوطان لا تُبنى بنتيجة مباراة، ولا تتراجع بسبب هدف، وأن تاريخ الشعوب أطول بكثير من عمر بطولة، وأعمق بكثير من ضجيج يوم أو يومين.
وليس معنى ذلك أن نقلل من شأن الرياضة أو من قيمتها في حياة الشعوب، فالرياضة في جوهرها مدرسة كبرى للأخلاق قبل أن تكون ساحة للتنافس. إنها تعلم الإنسان أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الفوز لا يأتي مصادفة، وأن الوصول إلى القمة يبدأ من احترام التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد. وما من إنجاز رياضي حقيقي إلا وتقف خلفه سنوات طويلة من التدريب، والانضباط، والتخطيط، والإيمان بالهدف.
ولعل هذا هو الدرس الأجمل الذي منحنا إياه منتخب مصر، بعيدًا عن النتيجة نفسها. فما رأيناه على أرض الملعب لم يكن وليد تسعين دقيقة، وإنما ثمرة رحلة طويلة من العمل، أثبتت أن المصري قادر على أن ينافس متى وجد البيئة التي تحترم موهبته، والإدارة التي تحسن توجيهها، والثقة التي تدفعه إلى تجاوز المستحيل.
وهنا ينتقل الحديث، في تقديري، من الرياضة إلى الوطن.
فالقاعدة التي تصنع فريقًا قادرًا على المنافسة هي نفسها التي تصنع جامعة متميزة، ومؤسسة ناجحة، واقتصادًا قويًا، ومجتمعًا متقدمًا. فلا شيء يولد كبيرًا، ولا أمة تستيقظ ذات صباح فتجد نفسها في مقدمة العالم. كل إنجاز حقيقي يبدأ بفكرة، ثم يتحول إلى خطة، ثم إلى عمل يومي دؤوب، حتى يصبح واقعًا يراه الناس، بينما لا يرون السنوات التي سبقته.
وحين نتأمل تجارب الأمم التي سبقتنا، نجد أنها لم تبلغ ما بلغته لأنها لم تعرف الخسارة، وإنما لأنها عرفت كيف تتعلم منها. لم تجعل من كل تعثر مناسبة لتبادل الاتهامات، ولا من كل إخفاق بابًا للهروب إلى نظريات المؤامرة، بل جعلت من كل تجربة فرصة للمراجعة والتطوير والانطلاق من جديد.
ولست أقلل هنا من أثر الأخطاء التحكيمية إن وجدت، ولا أنكر أن المصالح قد تتسلل أحيانًا إلى الرياضة كما تتسلل إلى غيرها من مجالات الحياة. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين احتمال يحتاج إلى دليل، وبين يقين نبنيه على الانفعال وحده. فالعقل الذي يتعود أن يفسر كل شيء بالمؤامرة، يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية أوجه القصور في نفسه، ويصبح إصلاح الواقع أكثر صعوبة؛ لأن المشكلة تكون دائمًا عند الآخرين.
ولعل أكثر ما أقلقني بعد المباراة أن النقاش ابتعد، في بعض لحظاته، عن الرياضة نفسها. رأينا من يحاول أن يفسر النتيجة بالدين، أو بالهوية، أو بالسياسة، أو بتاريخ الاستعمار، وكأننا نبحث عن أي تفسير إلا ذلك الذي يبدأ من داخلنا. ومثل هذا الخطاب، مهما حسنت نواياه، لا يضيف إلى وعينا شيئًا، بل يوسع دوائر الانقسام، ويصرفنا عن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: ماذا نستفيد من التجربة؟
إن المجتمعات الواعية لا ترفض النقد، لكنها ترفض أن يتحول النقد إلى يأس، ولا تنكر الأخطاء، لكنها ترفض أن تصبح الأخطاء ذريعة لإلغاء قيمة العمل كله. وهي تعرف أن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر الضجيج، وإنما عبر التفكير الهادئ، والقراءة المنصفة، والإرادة التي تبحث عن الحل قبل أن تبحث عن المبرر.
ولذلك، فإنني أرى أن الوفاء الحقيقي لمنتخب مصر لا يكون بالبقاء أسرى لمباراة انتهت، وإنما بالاحتفاظ بما حملته إلينا من معانٍ. لقد رأينا شبابًا يقاتلون حتى اللحظة الأخيرة دفاعًا عن اسم وطنهم، وهذه الروح وحدها تستحق أن تنتقل من الملعب إلى كل ميدان من ميادين الحياة؛ إلى الجامعة، والمدرسة، والمصنع، والمزرعة، والمعمل، وكل مكان يصنع مستقبل هذا البلد.
فالأمم لا تتقدم حين تتقن الاحتفال بالإنجاز، وإنما حين تتقن تحويل الإنجاز إلى ثقافة، والحلم إلى مشروع، والانتماء إلى عمل يومي لا ينقطع.
وعندما أعود إلى السؤال الذي بدأت به هذا المقال: ماذا بقي لنا من المباراة؟ أجد أن الإجابة لا تكمن في عدد الأهداف، ولا في قرار تحكيمي، ولا في رواية انتشرت على وسائل التواصل ثم اختفت كما ظهرت، وإنما تكمن في الدرس الذي نختار أن نحمله معنا بعد أن يهدأ كل شيء.
لقد منحتنا تلك الليلة فرصة لنرى أنفسنا كما نحن. رأينا شعبًا يلتف حول وطنه بمحبة صادقة، ورأينا منتخبًا يستحق التقدير لما قدمه من أداء وروح، لكننا رأينا أيضًا كيف يمكن للحظة عابرة أن تستحوذ على مساحة واسعة من وعينا، بينما تمر قضايا أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا في مستقبلنا مرورًا عابرًا.
وليس المقصود من هذا أن نقلل من قيمة الرياضة أو من حق الناس في الفرح والحزن، فالأمم الحية هي التي تفرح بإنجازاتها وتحزن لتعثرها. وإنما المقصود أن يبقى لكل شيء حجمه الطبيعي، حتى لا نخلط بين ما يمنحنا لحظة سعادة، وما يصنع لنا مستقبلًا كاملًا.
إن المباراة الحقيقية التي لا يجوز أن نخسرها ليست تلك التي تُلعب في تسعين دقيقة، وإنما تلك التي نخوضها كل صباح مع الجهل، والتخلف، والفقر، والمرض، وضياع الوقت، وضعف الإنتاج. وهي مباراة لا يسمع فيها أحد صافرة البداية، ولا تُرفع فيها الكؤوس أمام عدسات الكاميرات، لكنها المباراة التي يتحدد على أساسها موقع الأمم بين الأمم.
هناك، في الفصول الدراسية، تُحرز أهداف لا تقل قيمة عن أهداف الملاعب.
وهناك، في معامل البحث، تُكتب انتصارات قد تغيّر حياة ملايين البشر.
وهناك، في ورش العمل والمصانع والحقول والمستشفيات، يصنع رجال ونساء لا تعرفهم الشاشات مستقبل هذا الوطن بصمت، لأنهم أدركوا أن حب الوطن ليس هتافًا يعلو في لحظة حماس، وإنما مسؤولية تُؤدى بإتقان كل يوم.
وربما كان أجمل ما تعلمناه من الرياضة أنها لا تعترف بالأمنيات المجردة. فلا فريق يعتلي منصة التتويج لأنه تمنى ذلك، ولا لاعب يصنع المجد لأنه تحدث عنه كثيرًا، وإنما لأن هناك جهدًا متصلًا، وانضباطًا صارمًا، وإيمانًا لا يتزعزع بأن النجاح لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل.
وهذه هي الرسالة التي أتمنى أن تبقى بعد أن تُنسى تفاصيل مباراة مصر والأرجنتين.
أن نتعلم كيف نحول مشاعر الفخر إلى طاقة للعمل، وكيف نجعل الانتماء سلوكًا لا شعارًا، وكيف ندرك أن الدفاع عن الوطن لا يكون في الملاعب وحدها، بل في كل موقع يؤدي فيه الإنسان عمله بأمانة وإخلاص وإتقان.
قد ينسى الناس، بعد أعوام، نتيجة هذه المباراة، كما نسوا نتائج آلاف المباريات قبلها. وسيظهر أبطال جدد، وتُقام بطولات أخرى، وتمتلئ المدرجات من جديد، ثم ينصرف الجميع إلى حياتهم.
أما الوطن، فسيظل يخوض مباراته الكبرى كل يوم.
مباراة العلم في مواجهة الجهل.
ومباراة العمل في مواجهة الكسل.
ومباراة الوعي في مواجهة الشائعات.
ومباراة الأمل في مواجهة الإحباط.
وتلك هي المباراة التي لا يجوز أن نخسرها أبدًا.
لذلك، إذا سألني أحد بعد سنوات: ماذا بقي من مباراة مصر والأرجنتين؟
فسأقول:
بقي منتخبٌ جعلنا نفخر بما قدمه، وبقي درسٌ يذكرنا بأن احترام العالم لا تصنعه مباراة واحدة، بل تصنعه أمة تعرف كيف تجعل من كل تجربة خطوة إلى الأمام.
فالمباريات تُسجَّل نتائجها في سجلات البطولات…
أما الأوطان، فتُسجَّل إنجازاتها في عقول أبنائها، وفي سواعد العاملين، وفي ضمائر المخلصين، وفي قدرة كل جيل على أن يسلِّم الجيل الذي يليه وطنًا أفضل مما تسلَّمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى