Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رؤيتي

حديث الوطن (4) عندما يسرق الضجيج قيمة الإنجاز

بقلم: د. خالد عمران نائب رئيس جامعة سوهاج أستاذ المناهج وطرق التدريس

من كأس العالم إلى معارك السوشيال ميديا … لماذا نُحسن صناعة الجدل أكثر من صناعة الوعي؟
ليست المشكلة أن الضجيج أصبح أعلى… فالضجيج قديمٌ قِدم الحياة، وصخب البشر رفيق كل عصر. ولكن المشكلة أن آذاننا أصبحت تميل إليه أكثر من ميلها إلى صوت الحقيقة، وكأن الحقيقة تمشي حافيةً في الطرقات، بينما يرتدي الضجيج حذاءً من الطبول، فلا نكاد نسمع إلا وقع خطواته.
وما أكثر ما يربح الضجيج معركةً لا لأنه أقوى، بل لأن الحقيقة بطبعها لا تصرخ. إنها تشبه النهر العميق؛ يمضي هادئًا، لكنه يمنح الأرض حياتها، بينما يشبه الضجيج سيلًا عابرًا يملأ العيون رغوةً، ثم لا يترك خلفه إلا الحصى.
ولهذا فإن الأمم لا تنهض بما تنجزه وحده، وإنما تنهض بما تفهمه من إنجازها. فالنجاح ليس كأسًا تُرفع، ولا ميداليةً تُعلَّق، ولا صورةً تتصدر الشاشات لساعات، بل فكرةٌ تتسلل إلى الوجدان، فتوقظ فيه الإيمان بأن الطريق إلى المجد لا يُعبد بالتصفيق، وإنما بالعرق، وأن الأبطال لا تصنعهم لحظة الاحتفال، وإنما سنواتٌ طويلة من الصبر، لا يراها أحد.
ولذلك كنت أظن، كما ظن كثيرون، أن ما بعد كأس العالم سيكون موسمًا للكلام عن الإرادة، وعن التخطيط، وعن قيمة العمل الجماعي، وعن الأجيال التي ينبغي أن تتعلم من هذا الإنجاز كيف تُكتب الأحلام على صفحات العمل، لا على أوراق الأمنيات.
لكن ما حدث كان شيئًا آخر.
فما إن هدأت هتافات الملاعب، حتى ارتفعت هتافات من نوع آخر. وإذا بالبطولة التي كان ينبغي أن تفتح أبواب الحديث عن المستقبل، تتحول إلى بوابةٍ واسعة نعبر منها إلى معارك السوشيال ميديا. وإذا بالأحاديث تنتقل، في سرعةٍ مدهشة، من أسباب النجاح إلى أم زيكو، ومن دروس البطولة إلى دبلة إمام عاشور، ومن قيمة الإنجاز إلى رقصات الاحتفال، ومن التخطيط الذي صنع المجد إلى زوجات حسام حسن، ومن الأسئلة التي تبني الوعي إلى الأسئلة التي لا تبني إلا مزيدًا من الضجيج.
وليس المقصود من ذكر هذه الوقائع أن نحاكم أصحابها، فالأشخاص يذهبون، والأخبار تشيخ، وما يشغل الناس اليوم قد ينساه الناس غدًا. لكن الذي لا ينبغي أن يشيخ هو السؤال الذي كشفته هذه الوقائع: لماذا نترك الجبل، وننشغل بظله؟ ولماذا نغادر المتن، ثم نقيم في الهامش؟
إن المشكلة لم تكن يومًا في أم زيكو، ولا في دبلة إمام عاشور، ولا في غياب محمد صلاح عن مناسبةٍ أو حضوره لها، ولا في رقص لاعب، ولا في تصريح مدرب. فهذه كلها أحداث إنسانية، ستطويها الأيام كما طوت غيرها آلاف المرات.
أما المشكلة الحقيقية، فهي أننا أصبحنا نمنح الهامش من اهتمامنا ما يكفي لابتلاع المتن كله.
وهنا يبدأ المرض الحقيقي.
فالضجيج لا يهزم الإنجاز… بل يحرمه من حقه في أن يُلهم الناس.
ولا يقتل الحقيقة… بل يحجب عنها الضوء.
ولا يغيّر الواقع… بل يغيّر زاوية النظر إليه.
وهذه هي أخطر سرقة يمكن أن تتعرض لها أمة؛ أن تُسرق منها زاوية الرؤية، فتظل الحقائق أمامها كما هي، لكنها لا تعود تراها بالحجم الذي تستحقه.
ولقد أدرك القرآن الكريم هذه الطبيعة الإنسانية في أبلغ بيان، فجعل من علامات الرشد أن يعرف الإنسان ما الذي يستحق أن يقف عنده، وما الذي يستحق أن يمضي عنه، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
يا لها من تربية عظيمة…
لم يأمرهم أن يمنعوا اللغو، لأن ذلك مستحيل، ولم يطلب منهم أن يعيشوا في عالمٍ بلا ضجيج، لأن الدنيا لم تُخلق كذلك، ولكنه علّمهم أن يبقى الضجيج عابرًا، وألا يتحول إلى وطنٍ للعقل، ولا إلى إقامةٍ دائمة في القلب.
ولعل هذا هو الفارق بين العقل الكبير والعقل المنشغل.
فالعقل الكبير لا يعرف كل شيء، لكنه يعرف جيدًا ما الذي لا يستحق أن يعرفه أصلًا.
أما العقل المنشغل، فيلهث وراء كل خبر، ويطارد كل جدل، ويجمع من التفاصيل ما يظنه معرفة، حتى إذا جلس ليفكر في قضيةٍ كبرى، اكتشف أن ذهنه امتلأ بأشياء كثيرة… إلا ما ينفع.
ولذلك فإنني لا أخشى على أوطاننا من قلة المواهب، فالمواهب تولد في كل جيل، ولا من ندرة المخلصين، فالأوطان لا تخلو أبدًا من رجال ونساء يحملونها في قلوبهم قبل أن يحملوها على أكتافهم. وإنما أخشى عليها من أن يصبح الضجيج هو العدسة التي ترى بها كل شيء؛ لأن العدسة إذا اختلَّت، لم يتغير العالم، وإنما تشوَّهت صورته في أعيننا.
فالإنجاز يشبه شجرةً وارفة، لا تنمو في ليلة، وإنما تمتد جذورها في صمت، وتشرب من عرق أصحابها أعوامًا طويلة، حتى إذا أينعت، جاء الضجيج كنباتٍ بريٍّ سريع النمو، يلتف حول جذعها، لا ليقتلعها، فهو أضعف من ذلك، ولكن ليحجبها عن العيون. وما أكثر الأشجار التي بقيت شامخة، لكن الناس لم يعودوا يرونها، لأن أبصارهم انشغلت بما نما حولها، لا بما ارتفع فوقها.
ولعل أخطر ما يفعله هذا المشهد أنه لا يسرق إنجاز اليوم فقط، بل يسرق إنجاز الغد أيضًا. فالطفل الذي يتابع الأخبار، والشاب الذي يفتح هاتفه كل صباح، لا يتلقى معلومات فحسب، وإنما يتلقى رسالة خفية عن معنى النجاح. إنه يتعلم – من حيث لا يشعر – ما الذي يمنحه المجتمع مساحةً في الحديث، وما الذي يمر عليه مرورًا عابرًا. فإذا وجد أن سنوات الكفاح تختصر في دقائق، بينما تستغرق التفاصيل الصغيرة أيامًا من الجدل، فقد يصدق، دون أن يقصد أحد أن يعلمه، أن الطريق إلى الشهرة أقصر من الطريق إلى الإتقان، وأن لفت الانتباه أسهل من صناعة القيمة.
وهنا تكون الخسارة أفدح من أن تُقاس بنتيجة مباراة، أو بخلافٍ على منصة، أو بخبرٍ يتصدر الشاشات ساعات. لأننا عندئذٍ لا نخسر خبرًا، وإنما نخسر معيارًا. وما أشد خسارة الأمم حين تضيع منها المعايير؛ فالأشياء لا تتغير، لكن مقاييس النظر إليها هي التي تتبدل، حتى يصبح ما كان عظيمًا عاديًا، وما كان عابرًا استثنائيًا.
ولو أردت أن تعرف مستقبل أي مجتمع، فلا تبدأ بإحصاء موارده، ولا بعدد مشروعاته، ولا حتى بحجم اقتصاده. انظر أولًا إلى ما يشغل أحاديثه اليومية. فما يتكرر على الألسنة، يستقر في العقول، وما يستقر في العقول، يتحول إلى ثقافة، ثم إلى سلوك، ثم إلى مصير. ولهذا فإن الأمم لا تُصنع فقط في المصانع، ولا في الجامعات، ولا في البرلمانات، وإنما تُصنع أيضًا في المجالس، وفي البيوت، وفي كل حديث يختار الناس أن يمنحوه جزءًا من أعمارهم.
ومن هنا، فإن القضية لم تعد قضية إعلامٍ أو منصات تواصل اجتماعي. فالإعلام يعرض، والمنصات تقترح، لكن الإنسان هو الذي يختار. وكل اختيار صغير نصنعه اليوم، يصنعنا غدًا. وكل دقيقة نهبها لجدلٍ لا يضيف إلى وعينا شيئًا، نقتطعها من وقتٍ كان يمكن أن نقرأ فيه فكرة، أو نتعلم مهارة، أو نربي ابنًا، أو نغرس قيمة، أو نشارك في بناء وطن.
ولست أدعو إلى أن نعيش في صمت، ولا أن نقاطع وسائل التواصل، ولا أن نحرم الناس من الفرح أو الحوار أو الاختلاف، فالحياة لا تستقيم بلونٍ واحد، ولا بصوتٍ واحد. وإنما أدعو إلى أن نستعيد فضيلةً كادت تضيع بين أصابعنا: حسن ترتيب الاهتمام.
أن نتعلم أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يتصدر الشاشات قضية، وليس كل ما يثير الفضول يستحق أن يستنزف العقل. فالعقول الراقية لا تُعرف بكثرة ما تجمع من الأخبار، وإنما بحسن ما تنتقي منها. وكما أن البستاني لا يسقي الأعشاب الضارة بالماء الذي ادخره للشجر المثمر، فإن الإنسان الحكيم لا ينفق وقته، وهو أثمن ما يملك، على كل ما يمر أمامه.
إن معركة الوعي لا تبدأ في شاشة هاتف، بل تبدأ في داخل الإنسان؛ في اللحظة التي يقرر فيها أن يسأل نفسه قبل أن يضغط على أي خبر: هل سيضيف هذا إلى عقلي شيئًا؟ أم سيضيف إلى الضجيج صوتًا جديدًا؟
فقد يكون الفرق بين أمةٍ تتقدم وأخرى تتعثر… مجرد إجابة عن هذا السؤال.
وإذا كان لكل أمةٍ معاركها، فإن أخطر معارك هذا العصر ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، وإنما تلك التي تُخاض على أرض الوعي. فالسلاح قد يهدم جسرًا أو مبنى، أما العبث بالوعي فيهدم الإنسان الذي يبني الجسور والمباني. وإذا اختل الإنسان، فلن ينفعه بعد ذلك اتساع الطرق، ولا ارتفاع الأبراج، ولا كثرة المشروعات، لأن العمران يبدأ من العقل قبل أن يبدأ من الحجر.
ولذلك فإنني لا أكتب اليوم عن كرة القدم، ولا عن الإعلام، ولا عن منصات التواصل الاجتماعي، بل أكتب عن مسؤوليتنا جميعًا في حماية عقولنا من أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لكل عابر. فما أسهل أن يمتلئ العقل بالأخبار، وما أصعب أن يمتلئ بالحكمة. وما أكثر المعلومات التي نعرفها، وما أقل المعاني التي نعيشها.
لقد أصبحنا نعرف تفاصيل حياة الناجحين أكثر مما نعرف أسباب نجاحهم. نتابع صورهم أكثر مما نقرأ تجاربهم. نحفظ مواقفهم العابرة، وننسى سنوات كفاحهم. وكأننا نريد أن نقطف الثمرة، دون أن نتأمل الجذور التي حملتها إلى النور.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
فالإنجاز الحقيقي بطبيعته هادئ، لا يطرق الأبواب، ولا يرفع صوته، ولا يطالب الناس بالتصفيق. إنه يشبه الشمس؛ تشرق كل صباح في صمت، ولو أنها أعلنت عن نفسها بضجيج، لفقدت شيئًا من عظمتها. أما الضجيج، فلا يعيش إلا إذا وجد من يصفق له، ومن يطارده، ومن يمنحه من الوقت ما لا يستحق. ولهذا يبدو حاضرًا دائمًا، بينما يظل الإنجاز مشغولًا بصناعة إنجاز جديد.
ولقد علمتني الحياة أن الأوطان التي تكبر، ليست هي التي يخلو طريقها من الضوضاء، فهذا لم يحدث في تاريخ أمة، وإنما هي التي تعرف كيف تعبر مناطق الضجيج دون أن تفقد اتجاهها. وكما أن قائد السفينة لا يغيّر مساره مع كل موجة، فإن المجتمعات الواعية لا تغيّر أولوياتها مع كل “ترند”، ولا تسمح لكل قصة عابرة أن تعيد رسم خريطتها الفكرية.
إننا في حاجة إلى تربية جديدة، لا على كراهية وسائل التواصل، وإنما على حسن استخدامها. تربية تُعلّم أبناءنا أن يفرّقوا بين ما يثير الفضول وما يستحق الاهتمام، وبين ما يملأ الوقت وما يبني الإنسان، وبين الخبر الذي ينتهي بانتهاء قراءته، والفكرة التي تبقى رفيقة العمر.
فالوقت ليس ساعات تمضي على عقارب الساعة، بل هو العمر نفسه وهو يتسرب في هدوء. والاهتمام ليس مجرد متابعة، بل هو تصويت يومي على شكل المستقبل الذي نريده. وكل دقيقة نمنحها لفكرة نافعة، إنما نضع حجرًا في بناء وطن. وكل دقيقة نهدرها في جدل لا ثمرة له، نقتلع حجرًا من البناء نفسه، وإن لم نشعر.
لقد بدأت هذا المقال من بطولةٍ رياضية…
لكنني لم أقصد الرياضة.
وذكرت أسماءً يعرفها الناس…
لكنني لم أقصد الأشخاص.
إنما قصدت شيئًا أكبر من بطولة، وأبقى من خبر، وأخطر من ترند.
قصدت الوعي…
ذلك الجندي المجهول الذي لا تراه العيون، لكنه يحرس العقول.
والحارس إذا غاب، دخل اللصوص من كل الأبواب.
ولهذا فإن أخطر أنواع السرقة ليست سرقة المال، ولا الممتلكات، ولا حتى الوقت…
إن أخطر أنواع السرقة هي سرقة اهتمام أمة.
فإذا سُرق اهتمامها، اختلطت عليها الأحجام، وارتفع الهامش حتى حجب المتن، وانشغلت بصدى الأصوات، بينما كانت الحقيقة تقف في صمت تنتظر من ينصت إليها.
وسيظل الضجيج يملأ الدنيا…
فهذا طبعه.
لكن الأوطان لا يكتب تاريخها أعلى الأصوات…
وإنما تكتبه أعمق المعاني.
وحين تدرك أمةٌ هذه الحقيقة، تستعيد بوصلتها، ويعود الإنجاز إلى مكانه الطبيعي؛ لا خبرًا عابرًا في نشرات المساء، ولا مادةً لجدلٍ يذوب مع الأيام، بل صفحةً مضيئة في كتاب الوطن، تُلهم أبناءه، وتمنحهم يقينًا لا يتغير:
أن الأمم لا يحفظ إنجازاتها الضجيج…
بل يحفظها الوعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى