حين يُختبر القلب: اليتيم بين وصية السماء ومسؤولية الإنسان
بقلم: أ.د/ خالد عمران نائب رئيس جامعة سوهاج لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة

في البدء، تقف القيم الدينية شاهدةً على عظمة العناية باليتيم، إذ لم يكن الاهتمام به في الشريعة ترفًا أخلاقيًا، بل تكليفًا ربانيًا يرقى إلى أسمى مراتب القرب. فقد جعل الإسلام الإحسان إلى اليتيم طريقًا إلى الجنة، وربط بين رعايته ومرافقة النبي ﷺ فيها، في صورة تُجسد علو المكانة وعِظم الجزاء. ولم تخلُ آيات القرآن الكريم من الوصايا المتكررة التي تأمر بإكرامه وتحذر من قهره، وكأنها تُعيد تشكيل ضمير الأمة ليكون اليتيم في قلب اهتمامها لا على هامشها. إن هذا التوجيه الإلهي لا يكتفي بإثارة العاطفة، بل يؤسس لواجب حضاري قوامه الرحمة والعدل والتكافل.
ومن هذا المنطلق، تتسع المسؤولية لتشمل المجتمع بأسره، حيث لا يُنظر إلى رعاية اليتيم باعتبارها إحسانًا عابرًا، بل التزامًا جماعيًا يضمن تماسك البنية الاجتماعية. فاليتيم، حين يجد من يحتضنه ويمنحه الشعور بالانتماء، لا يعيش على هامش الحياة، بل يصبح جزءًا فاعلًا فيها، قادرًا على العطاء والإبداع. وهنا تتجلى أهمية تكامل الأدوار بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، في بناء منظومة دعم حقيقية تعيد التوازن إلى حياة اليتيم، وتمنحه فرصة عادلة للنمو.
وفي عمق التجربة الإنسانية، تشير الدراسات والخبرات إلى أن فقدان أحد الوالدين في سن مبكرة قد يترك أثرًا بالغًا في نفس الطفل، خاصة فيما يتعلق بالإحساس بالأمان والثقة. غير أن هذا الأثر لا يُعد نهاية الطريق، بل يمكن تجاوزه عبر رعاية واعية، واحتواء صادق، وتوجيه تربوي سليم. فالكلمة الطيبة قد تُعيد بناء ما تهدّم، والاهتمام الحقيقي قد يزرع الطمأنينة في قلبٍ أنهكه الفقد، لتنشأ شخصية قادرة على مواجهة الحياة بثبات وثقة.
وعندما يُنظر إلى رعاية اليتيم من زاوية أوسع، يتضح أنها ليست مجرد عمل خيري، بل استثمار حقيقي في بناء الإنسان. فتمكين اليتيم علميًا ومهنيًا يُحوّله من متلقٍ للدعم إلى قوة منتجة تسهم في نهضة المجتمع. إن المجتمعات التي تحسن رعاية أبنائها، خاصة الأكثر احتياجًا، هي الأقدر على تحقيق التوازن والاستدامة، لأنها تبني مستقبلها على أساس من العدالة والإنصاف.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُختزل يوم اليتيم في لحظات احتفالية عابرة، مهما حملت من بهجة، بل يجب أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو عمل مستمر، وبرامج ممتدة في الكفالة، والتعليم، والدعم النفسي، والتأهيل المهني. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بما يُقدَّم في يوم، بل بما يُرسَّخ من اهتمام دائم يرافق اليتيم في مختلف مراحل حياته.
وهكذا، يبقى اليتيم اختبارًا حقيقيًا لإنسانية المجتمع، وميزانًا دقيقًا يُقاس به صدق القيم التي يرفعها. فإذا كان قد فقد سندًا في لحظة، فإن المجتمع قادر على أن يكون له سندًا ممتدًا، يمنحه الأمل ويُعيد إليه الثقة.
وفي النهاية، فإن أعظم ما يمكن أن يُقدَّم لليتيم ليس ما يُوضع في يده، بل ما يُزرع في قلبه من شعور بالأمان والانتماء، ليُدرك أنه ليس وحده، وأن للحياة وجهًا أكثر رحمة ينتظره.
