التنمر في المدارس… خطر يهدد مستقبل الطلاب
تقرير صحفي كتبه : أسماء السيد ابو المجد - الآء محمود كمال الدين - الاء الدسوقي عبدالعاطي
لم تعد كلمة “ده هزار” كافية لتبرير دموع طالبة في آخر الفصل، فداخل أسوار المدارس الثانوية للبنات بسوهاج تدور معركة يومية صامتة، سلاحها الكلمة الجارحة والنظرة الساخرة، وضحيتها طالبة قد تفقد ثقتها بنفسها إلى الأبد. “مكافحة التنمر” جولة ميدانية قامت بها “التربية النوعية” لرصد كيف تواجه المدارس الظاهرة، وما الدور الذي يلعبه الإعلام بين التوعية والتطبيع.
حيث أنه في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه المدرسة بيئة آمنة للتعلم وبناء الشخصية، تتصاعد ظاهرة التنمر بين الطلاب لتتحول إلى تهديد حقيقي يؤثر على استقرارهم النفسي وتحصيلهم الدراسي، ولم يعد التنمر مجرد سلوك فردي عابر، بل بات ظاهرة مقلقة تتطلب تدخلًا عاجلًا من جميع الأطراف المعنية.
- حجم الظاهرة
تشير تقارير دولية إلى أن نسبة كبيرة من الطلاب حول العالم تعرضوا لشكل من أشكال التنمر خلال مراحلهم الدراسية، حيث يعد واحد من كل ثلاثة طلاب ضحية محتملة لهذا السلوك، وتتنوع أشكال التنمر بين اللفظي والجسدي والاجتماعي، وصولًا إلى التنمر الإلكتروني الذي زاد انتشاره مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي.
- خطورة التنمر وآثاره
لا تقتصر آثار التنمر على لحظات الأذى المباشر، بل تمتد لتؤثر على نفسية الطالب وسلوكه على المدى الطويل. فالضحايا يعانون من القلق، وفقدان الثقة بالنفس، والعزلة الاجتماعية، وقد يصل الأمر إلى الاكتئاب أو كراهية المدرسة. كما يؤدي التنمر إلى تراجع المستوى الدراسي، ويخلق بيئة تعليمية غير آمنة تعيق عملية التعلم.
- شهادة حية
تروي إحدى الطالبات تجربتها قائلة: “كنت أذهب إلى المدرسة بخوف يومي بسبب سخرية بعض زميلاتي، ومع الوقت فقدت ثقتي بنفسي وبدأ مستواي الدراسي في التراجع.”
وتضيف: “عندما تحدثت مع أسرتي وبدأت المدرسة في التدخل، شعرت أخيرًا أنني لست وحدي.”
مشهد من الطابور: “أم أربعة”
الساعة 7:30 صباحاً بمدرسة * الثانوية التجارية بنات بسوهاج*، تنزوي الطالبة “م.أ” 16 عاماً في آخر الصف وتداري وجهها بالكتب. السبب حسب ما كشفته الأخصائية الاجتماعية بالمدرسة: سخرية متكررة من زميلاتها بسبب ارتدائها نظارة طبية، حتى لُقبت بـ”أم أربعة”. المشهد الذي رصدناه ليس فردياً، فمسح يونيسف والمجلس القومي للطفولة والأمومة 2023 أكد أن 42% من طلاب مصر تعرضوا للتنمر.
بروتوكول جديد داخل الفصول
“مبقيناش نتعامل مع التنمر على إنه شقاوة بنات”، هكذا بدأت إحدى موجهات التربية الاجتماعية بإدارة سوهاج التعليمية حديثها لـ”التربية النوعية” – فضلت عدم ذكر اسمها – وأضافت: “لائحة الانضباط المدرسي 2023 فرضت علينا نظام جديد. فأي معلمة بتلاحظ عزلة أو سخرية بتملأ استمارة ملاحظة سلوك وبتسلمها للأخصائية خلال 24 ساعة. والطالبة المتنمرة مبتتفصلش، بنحولها لجلسات إرشاد نفسي. لأن عقابنا تربوي مش انتقامي”.
وتؤكد أن جماعة “أصدقاء بلا تنمر” أصبحت موجودة في 85% من المدارس، وهي خط الدفاع الأول. وهو ما لمسناه في المدرسة الثانوية التجارية بنات بسوهاج، حيث يتم دمج الطالبات المختلفات في الأنشطة اللاصفية لكسر حاجز العزلة.
- دور المدرسة
تلعب المدرسة دورًا محوريًا في مواجهة التنمر من خلال وضع سياسات واضحة، وتفعيل الرقابة داخل الفصول، وتقديم أنشطة توعوية تعزز قيم الاحترام والتسامح. كما يعد المعلم خط الدفاع الأول من خلال ملاحظته المبكرة لأي سلوك غير طبيعي بين الطلاب.
- دور الأسرة
تعد الأسرة الركيزة الأساسية في حماية الأبناء، من خلال بناء الثقة، وتشجيع الحوار، ومتابعة التغيرات السلوكية. كما أن التدخل المبكر والتواصل مع المدرسة يسهمان في الحد من تفاقم المشكلة.
- دور الإعلام
يساهم الإعلام في نشر الوعي بمخاطر التنمر عبر الحملات التوعوية، والبرامج الهادفة، وتسليط الضوء على التجارب الواقعية، مما يساعد في تغيير السلوكيات وتعزيز ثقافة احترام الآخر داخل المجتمع.
- الإعلام.. بين حملة “حلمي” وفيديوهات السخرية
والإعلام لعب دور البطل والجاني في نفس الوقت. فحملة “أنا ضد التنمر” 2018 التي تصدرها الفنان أحمد حلمي بجملة “التنمر مش رجولة” تسببت في زيادة البلاغات على الخط الساخن 16000 بنسبة 60%، حسب بيانات المجلس القومي للطفولة.
- رأي أكاديمي إعلامي متخصص
حذر الدكتور / مرزوق العادلي، أستاذ بقسم الإعلام التربوي بكلية التربية النوعية المساعد بجامعة سوهاج، من الخطر الأكبر: وهو “تطبيع التنمر”، ويقول في تصريحات خاصة: “لما 18 فيديو كوميدي من أصل 20 يعتمدوا على السخرية من الشكل أو اللهجة عشان يضحكوا الناس، إحنا كده بننتج جيل شايف التنمر خفة دم. ودة أخطر من التنمر نفسه 
ويرى العادلي أن الحل يبدأ من كليات التربية النوعية: أقسام الإعلام التربوي فدورها تخريج طلاب قادرين على إنتاج محتوى بديل وهادف يزاحم المحتوى المسيء. وأخصائي الإعلام التربوي لازم يكون خط الدفاع الأول جوه المدرسة”.
وأن يتم توفير كافة الإمكانات المناسبة لممارسة رسالته ودوره الإعلامي التربوي التوعوي داخل المدرسة.
- توصية من الميدان
من داخل غرفة الأخصائية الاجتماعية، انتهت جولتنا بتوصية واضحة: وهي استحداث مسمى وظيفي “أخصائية إعلام تربوي” بكل إدارة تعليمية، تكون مهمتها إنتاج مواد توعية مرئية وصوتية تناسب عقلية طالبات الثانوي، ويتم توزيعها على المدارس، لعلها تكون الكلمة الطيبة التي توقف الكلمة الجارحة.
- نماذج ناجحة
وعلي جانب آخر شهدت الساحة الإعلامية عددًا من الحملات الناجحة التي ركزت على توعية الطلاب بخطورة التنمر، من خلال رسائل قصيرة ومؤثرة، وقصص حقيقية ساعدت في إيصال الفكرة بشكل إنساني وفعال.
ويبقى التنمر خطرًا حقيقيًا يهدد سلامة الطلاب ومستقبلهم، لكنه في الوقت ذاته قابل للمواجهة إذا تكاتفت الجهود بين المدرسة والأسرة والإعلام. فبناء جيل واعٍ يبدأ بكلمة طيبة، وبيئة آمنة، وثقافة تحترم الاختلاف وتنبذ الأذى.

