رؤيتي
اليوم العالمي للبيئة: بناء الإنسان طريقنا إلى بناء مستقبل أخضر ومستدام
بقلم: د/ خالد عبد اللطيف عمران .. نائب رئيس جامعة سوهاج لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة.

في الخامس من يونيو من كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للبيئة، تلك المناسبة التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1972 خلال مؤتمر ستوكهولم المعني بالبيئة البشرية، لتصبح منذ ذلك الحين منصة عالمية للتوعية بالقضايا البيئية وحشد الجهود الدولية من أجل حماية كوكب الأرض والحفاظ على موارده الطبيعية للأجيال القادمة.
ولا يمثل هذا اليوم مجرد مناسبة رمزية أو حدثًا سنويًا عابرًا، بل يعد دعوة متجددة لمراجعة علاقتنا بالبيئة وإعادة النظر في أنماط حياتنا وسلوكياتنا اليومية في ظل ما يواجهه العالم من تحديات بيئية متصاعدة، تشمل التغير المناخي والتصحر والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي واستنزاف الموارد الطبيعية. وهي تحديات لم تعد تؤثر في البيئة فقط، بل أصبحت تمس الأمن الغذائي والصحة العامة والاقتصاد وجودة الحياة ومستقبل التنمية في مختلف دول العالم.
ومن هذا المنطلق، أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن حماية البيئة لم تعد رفاهية أو قضية هامشية، وإنما أصبحت ركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة. ولذلك تبنت رؤية طموحة جعلت الاستدامة البيئية جزءًا أصيلًا من رؤية مصر 2030، وسعت إلى دمج البعد البيئي في مختلف السياسات والبرامج التنموية، إيمانًا بأن التنمية الحقيقية هي تلك التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة.
وقد تجسد هذا التوجه في إطلاق فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية الإسلامية العديد من المبادرات الرئاسية والمشروعات القومية الرائدة، ومن أبرزها مبادرة «اتحضر للأخضر» التي استهدفت نشر الوعي البيئي وتعزيز السلوكيات الإيجابية تجاه البيئة، ومبادرة «100 مليون شجرة» التي تمثل أحد أكبر المشروعات البيئية الهادفة إلى زيادة الرقعة الخضراء وتحسين جودة الهواء وخفض الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن الجهود الوطنية في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة وإدارة المخلفات والتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
كما شكّل استضافة مصر لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ COP27 بمدينة شرم الشيخ نقطة تحول مهمة أكدت مكانة مصر الإقليمية والدولية في قيادة العمل المناخي، وأسهمت في نقل ملف البيئة من نطاق النقاشات النظرية إلى دائرة التنفيذ والشراكات الفاعلة والحلول العملية.
وتتسق هذه الجهود مع الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050 التي تستهدف تحقيق نمو اقتصادي مستدام منخفض الانبعاثات، وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع آثار التغيرات المناخية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، ورفع مستوى الوعي البيئي لدى المواطنين. وهي أهداف تؤكد أن مواجهة التحديات البيئية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.
وفي هذا السياق، تأتي المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان» لتؤكد أن بناء الإنسان المصري الواعي هو المدخل الحقيقي لتحقيق التنمية المستدامة. فالقضية البيئية في جوهرها قضية وعي وسلوك قبل أن تكون قضية تشريعات أو تقنيات. وكلما ارتفع مستوى الوعي لدى المواطن، زادت قدرته على اتخاذ قرارات وسلوكيات إيجابية تسهم في حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ومن هنا يبرز الدور المحوري للجامعات المصرية باعتبارها مؤسسات لصناعة الوعي وإعداد الكوادر القادرة على قيادة المستقبل. فلم يعد دور الجامعة مقتصرًا على التعليم والبحث العلمي، بل أصبح يمتد إلى تعزيز قيم المواطنة البيئية وترسيخ ثقافة الاستدامة لدى الطلاب والمجتمع. ولذلك شهدت الجامعات المصرية خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في تبني مفهوم «الجامعة الخضراء» من خلال ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، والتوسع في التشجير، وإدارة المخلفات، والتحول الرقمي، ودعم البحوث المرتبطة بقضايا البيئة والتنمية المستدامة.
وفي جامعة سوهاج نؤمن بأن خدمة المجتمع تبدأ من خدمة الإنسان والبيئة معًا، ولذلك تحرص الجامعة على تنفيذ العديد من المبادرات والبرامج التوعوية والأنشطة المجتمعية التي تستهدف نشر الثقافة البيئية بين الطلاب والعاملين وأفراد المجتمع، إلى جانب المشاركة في حملات التشجير والتجميل، وتنظيم الندوات والمؤتمرات والملتقيات العلمية التي تناقش قضايا البيئة والاستدامة، وتشجيع البحوث التطبيقية التي تسهم في تقديم حلول علمية للمشكلات البيئية التي تواجه المجتمع المحلي.
كما تسعى جامعة سوهاج إلى ترسيخ مفهوم المسؤولية البيئية داخل الحرم الجامعي من خلال تشجيع الممارسات الصديقة للبيئة، وتعزيز ثقافة العمل التطوعي البيئي، وإشراك الطلاب في المبادرات المجتمعية التي تنمي لديهم الشعور بالمسؤولية تجاه وطنهم وبيئتهم.
غير أن نجاح كل هذه الجهود يظل مرتبطًا بقدرتنا على تحويل الوعي البيئي إلى سلوك عملي يومي. فالحفاظ على البيئة لا يبدأ من المؤتمرات الكبرى فقط، بل يبدأ من تصرفاتنا البسيطة في المنزل والجامعة ومكان العمل والشارع. ويكفي أن نرشد استهلاك المياه والكهرباء، وأن نحافظ على النظافة العامة، وأن نتجنب إهدار الموارد، وأن نستخدم المنتجات القابلة لإعادة التدوير، وأن نغرس الأشجار ونحافظ عليها، وأن نلتزم بالسلوك الحضاري في التعامل مع البيئة من حولنا.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات اليوم ليس نقص المعرفة البيئية، وإنما كيفية تحويل هذه المعرفة إلى ممارسات وسلوكيات مستدامة. فكل قطرة ماء يتم توفيرها، وكل شجرة يتم غرسها، وكل كيلو جرام من المخلفات يتم إعادة تدويره، يمثل خطوة صغيرة في ظاهرها لكنها كبيرة في أثرها على مستقبل الوطن.
وفي هذا اليوم العالمي للبيئة، ينبغي أن نتذكر أن حماية البيئة ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية مشتركة. وأن بناء مستقبل أخضر ومستدام يبدأ ببناء إنسان واعٍ بقيمة موارده، مدرك لمسؤوليته تجاه مجتمعه، مؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن الحفاظ على البيئة.
فلنجعل من اليوم العالمي للبيئة مناسبة لتجديد التزامنا تجاه وطننا وكوكبنا، ولنحوّل الوعي إلى ممارسة، والمعرفة إلى سلوك، والطموحات إلى إنجازات، حتى نترك للأجيال القادمة بيئة أكثر نقاءً، ووطنًا أكثر استدامة، ومستقبلًا أكثر إشراقًا.
*حفظ الله مصر، ووفق قيادتها الرشيدة لمواصلة مسيرة التنمية والبناء، وجعلها دائمًا نموذجًا رائدًا في حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة وبناء الإنسان.