
غادرت سفاجا، لكن شيئًا مني بقي هناك.
بقي مع تلك الوجوه التي اعتادت أن تؤدي واجبها في صمت، فلا تنتظر تصفيقًا، ولا تبحث عن أضواء. وبقي مع ذلك الانضباط الذي تراه في كل خطوة، ومع ذلك الإحساس العميق بأن لهذا الوطن رجالًا اختاروا أن يجعلوا أمنه رسالتهم، وسلامه غايتهم، وكرامته شرفهم.
ذهبت إلى قاعدة البحر الأحمر البحرية ضمن وفد من أعضاء هيئة التدريس، والإداريين، والطلاب، والطالبات من جامعتي سوهاج الحكومية والأهلية، وأنا أتوقع أن أزور منشأة عسكرية متطورة، لكنني عدت وقد زرت معنى آخر… معنى الوطن حين يتحول إلى مسؤولية، وحين يصبح الإخلاص له أسلوب حياة.
هناك أدركت أن كثيرًا من النعم التي نعيشها كل يوم أصبحت مألوفة إلى درجة أننا لم نعد نتوقف أمامها. أن نستيقظ في وطن آمن، وأن تفتح الجامعات أبوابها، وأن تمضي الحياة في شوارعنا بهدوء، وأن يخرج الناس إلى أعمالهم مطمئنين… كل ذلك يبدو أمرًا طبيعيًا، حتى ننسى أن وراء هذا الهدوء رجالًا لا يعرفون الهدوء، وأن خلف هذه الطمأنينة عيونًا تظل يقظة، لأن أمن الوطن لا يعرف الإجازات، ولا يتوقف عند ساعة من ليل أو نهار.
وحين كنا نتجول داخل القاعدة، خطر ببالي سؤال ظل يرافقني حتى بعد انتهاء الزيارة:
كم مرة نمنا مطمئنين… دون أن نفكر فيمن ظل مستيقظًا؟
وكم مرة استمتعنا بزرقة البحر وهدوئه، دون أن نتذكر أن هناك رجالًا يقفون على امتداد هذا البحر، يحرسون حدوده، ويصونون مياهه، ويؤدون واجبهم في صمت، حتى يبقى الوطن آمنًا.
لم يكن أكثر ما شد انتباهي حجم القطع البحرية، ولا ما بلغته قواتنا المسلحة من تطور في التسليح والتجهيز، على عظم ذلك كله، وإنما شدني الإنسان المصري الذي يقف خلف هذه المنظومة. ذلك الجندي، والضابط، والقائد، الذي ترى في ملامحه انضباطًا قبل أن ترى الرتبة على كتفه، وتلمس في أدائه احترافًا يعكس سنوات طويلة من التدريب، والعمل، والإعداد.
هناك تعلمت درسًا بسيطًا، لكنه عميق.
القوة ليست نقيض السلام… بل حارسته.
والجيش القوي لا يسعى إلى الحرب، وإنما يجعلها أبعد ما تكون، لأن قوة الردع هي التي تصون السلام، وتحمي الاستقرار، وتمنح الشعوب حقها في أن تعيش آمنة مطمئنة.
ولذلك خرجت من الزيارة أكثر يقينًا بأن ما نراه من استقرار ليس أمرًا يحدث تلقائيًا، بل هو ثمرة عمل متواصل، وتخطيط دقيق، وتضحيات عظيمة، يبذلها رجال آمنوا بأن خدمة مصر ليست وظيفة، وإنما عهد وشرف ورسالة.
ولعل أكثر ما أسعدني في هذه الزيارة أنني كنت بين مجموعة من شباب الجامعة. كنت أراقب دهشتهم، وأسئلتهم، وفخرهم بما يرونه، وأدرك أن مثل هذه الزيارات لا تعرفهم فقط بإحدى قلاع الوطن، وإنما تعيد تشكيل وعيهم بمعنى الانتماء. فالوطن لا يُعرف من الكتب وحدها، بل يُعرف أيضًا حين ترى بعينيك من يحملون مسؤوليته، ويقفون على ثغوره، ويجعلون من حماية ترابه قضية عمر.
وعندها تذكرت أن لكل إنسان في هذا الوطن ثغرًا يحرسه.
فالجندي يحرس الحدود، والطبيب يحرس الحياة، والمعلم يحرس العقول، والباحث يحرس المستقبل، والعامل يحرس الإنتاج، وكل مخلص في موقعه يشارك في كتابة قصة هذا الوطن، كلٌ بقلمه، أو بعلمه، أو بجهده، أو بسلاحه.
وفي طريق العودة، ظل البحر يرافقنا في صمته المهيب.
كان يبدو هادئًا إلى حد بعيد.
ابتسمت وأنا أتأمله، وأدركت أن هذا الهدوء ليس صدفة، بل لأن هناك رجالًا يسهرون ليبقى البحر هادئًا، وتبقى مصر آمنة، ويبقى المستقبل مفتوحًا أمام أبنائها.
عدت من سفاجا، لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي ذهب إليها.
ذهبت لأزور قاعدة بحرية…
ورجعت وأنا أزور معنى الوطن من جديد.
ازددت فخرًا بأنني مصري، وازددت يقينًا بأن لهذا الوطن درعًا وسيفًا، ورجالًا إذا اطمأن الناس ظلوا على يقظتهم، وإذا نامت المدن ظلوا أوفياء للعهد الذي أقسموا عليه.
حفظ الله مصر، قيادةً وجيشًا وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ورحم شهداءها الأبرار الذين كتبوا بدمائهم صفحاتٍ مضيئة في تاريخ هذا الوطن، وجعل مصر دائمًا قويةً بعزيمة أبنائها، وآمنةً بإذن الله، وماضيةً بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها.
