
شهدت انتخابات مجلس النواب الأخيرة حالة غير مسبوقة من الجدل بعد ما تم رصده من تجاوزات واسعة في عدد من الدوائر، سواء في المرحلة الأولى أو الثانية. وقد مثّلت هذه التجاوزات خطرًا حقيقيًا على ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، وعلى مصداقية الدولة، وعلى استقرار الحياة السياسية برمتها.
وعندما وصلت التقارير إلى رئيس الجمهورية، وجه — وفق الإجراءات الدستورية — إلى ضرورة التحقق من كل البلاغات المتعلقة بالمال السياسي والرشاوى الانتخابية. وجاءت توجيهاته واضحة: إذا ثبتت التجاوزات فلا بديل عن إعادة الانتخابات، وهو ما حدث بالفعل بإعادة الانتخابات في 19 دائرة في المرحلة الأولى، ثم 30 دائرة في المرحلة الثانية.
وهذا المشهد يعكس رسالة سياسية شديدة الوضوح:
الرئيس لن يسمح بتزوير إرادة المصريين، ولن يقبل أن تتحول الانتخابات إلى سباق نفوذ مالي أو صفقات انتخابية.
مال سياسي متغول… يهدد الجوهر الديمقراطي
لا يختلف اثنان على أن المال السياسي أصبح أحد أخطر التحديات التي تواجه المنافسة الانتخابية. فالبعض ممن يمتلكون نفوذًا ماليًا ضخموا حجم الإنفاق الانتخابي إلى مستويات غير مسبوقة، فتحولت بعض الدوائر إلى ما يشبه الأسواق المفتوحة، تُباع فيها الأصوات وتُشترى الولاءات.
وهذه الظاهرة — في حال تركها دون ضبط — لا تُفسد فقط الانتخابات، بل تُفسد الحياة السياسية وتخلق حالة يائسة لدى المواطنين، وتفتح الباب أمام المشككين والمتربصين لإثارة البلبلة، والتشكيك في نزاهة الدولة ومؤسساتها.
تدخل رئاسي لحماية الأمن القومي… لا للتدخل في الاختيار
في نظم الحكم المسؤولة، يصبح التدخل الرئاسي لحماية نزاهة العملية الانتخابية واجبًا وطنيًا، وليس تدخلًا في إرادة الناخبين. فالتزوير — أيًا كان شكله — لا يهدد فقط نتائج الانتخابات، بل يهدد الأمن القومي ذاته، لأنه يخلق حالة انفصال بين المواطن والدولة.
ومن هنا، فإن إصرار الرئيس على إعادة الانتخابات في الدوائر التي تبين وجود مخالفات بها، يعكس حرصًا على صون إرادة المصريين قبل أي شيء آخر، ورسالة بأن العملية الديمقراطية ليست مجرد إجراءات شكلية، بل مسؤولية وطنية.
لن يسمح بتكرار سيناريوهات الماضي
تاريخ مصر السياسي شهد فترات انتشر فيها النفوذ المالي إلى حد السيطرة على المشهد الانتخابي، وأدى ذلك إلى انحسار ثقة الناس في أي عملية سياسية. لكن الرسالة اليوم مختلفة:
لا أحد فوق القانون، ولا مال سياسي فوق إرادة المصريين، ولا انتخابات تُجرى لمجرد إجرائها.
وإذا استمرت التجاوزات على هذا النحو، فإن الدولة — وعلى رأسها الرئيس — لن تتردد في إلغاء الانتخابات بأكملها وإعادتها من جديد، حماية للشرعية الشعبية وصونًا لقواعد المنافسة الشريفة.
الدولة تحمي الاختيار الحر
ما جرى من إعادة الانتخابات في عشرات الدوائر يؤكد أن مصر جادة في مواجهة التشوهات السياسية، وأن الإرادة الشعبية ليست مجالًا للمساومة أو اللعب. فالدولة التي تحترم نفسها لا تقبل انتخابات مشوهة، والرئيس الذي يحترم شعبه لا يسمح بتزوير اختياراته.
إن حماية الديمقراطية الحقيقية تبدأ من حماية صوت المواطن، وهذا ما أثبتته الدولة في هذه الجولة الانتخابية.
وستظل إرادة المصريين خطًا أحمر… لا يتجاوزه مال سياسي ولا أصحاب نفوذ.
