بين الإدعاء والحقيقة … بقلم الأستاذ الدكتور / خالد عبد اللطيف عمران

إن ما جرى تداوله بشأن رفض تعيين إحدى الطالبات بدعوى أن والدها يعمل مؤذنًا يُعد ادعاءً لا يقوم على سند صحيح من الواقع أو القانون، وقد جرى التعامل معه على نحو غير مهني عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما أدى إلى توجيه اتهامات غير مؤسسة إلى الجامعة وقياداتها، وهو أمر لا يجوز اعتباره حقيقة ثابتة أو واقعة مُثبتة.
وتكمن الخطورة الحقيقية ليس فقط في نشر رواية غير دقيقة، وإنما في تكريس منطق مفاده أن إثارة الرأي العام والضغط عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يشكلا وسيلة لفرض روايات أو التأثير على قرارات مؤسسية، وهو ما يمثل مساسًا خطيرًا بمبدأ سيادة القانون، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة التعليمية، ويحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة اتهام خارج الأطر القانونية والضوابط المهنية.
وحتى في حال صدور تصريحات من صاحبة الشأن، فإن ذلك لا يضفي عليها صفة الحجية القانونية المطلقة، ولا يعفي من واجب التحقق والتدقيق، ولا يبرر الانتقال من مجرد الادعاء إلى تكوين قناعة عامة أو إدانة جماعية، إذ إن العدالة الإجرائية والقرارات المؤسسية لا تُبنى على الانطباعات أو الاعتبارات العاطفية أو الزخم الإعلامي، وإنما على الوقائع المثبتة واللوائح المعمول بها.
ومن المقرر قانونًا والمعروف عرفًا في الوسط الأكاديمي أن تعيين المعيدين يتم وفق إجراءات محددة وخطط زمنية معتمدة، غالبًا ما تكون ضمن خطط خمسية، وتخضع للوائح واضحة ومعلنة تُطبق على جميع الجامعات المصرية دون استثناء، ولا تتيح أي مجال للاعتبارات الأسرية أو الاجتماعية للتأثير على القرار الإداري.
كما أن نشر أو ترويج معلومات غير موثقة من شأنها الإساءة إلى مؤسسات عامة أو أشخاص بعينهم يُعد سلوكًا مخالفًا لمقتضيات المسؤولية القانونية والإعلامية، ويستوجب المساءلة وفق الأطر القانونية المنظمة، أيًا كانت الدوافع، إذ إن ترك مثل هذه الممارسات دون محاسبة يفتح الباب أمام اضطراب في المنظومة الأخلاقية والإعلامية، بما قد يفضي إلى أضرار جسيمة بالثقة العامة وبالسلامة المؤسسية.
وعليه، فإن جوهر القضية لا يتعلق بالصفة الوظيفية أو الاجتماعية لذوي الشأن، وإنما ينصرف إلى ضرورة احترام اللوائح والقوانين، وصون المؤسسات من محاولات الضغط أو الابتزاز المعنوي، وترسيخ مبدأ أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تُعد بديلًا عن القانون ولا مصدرًا للحقيقة القانونية.
وفي الختام، فإن الضجيج الإعلامي، مهما بلغ اتساعه، لا يُنشئ حقًا ولا يقرر حقيقة، بينما يؤدي التغاضي عن محاسبة مروّجي الادعاءات غير الموثقة إلى الإضرار بسمعة المؤسسات العامة وتقويض الثقة المجتمعية فيها.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.