أياً كانت حيثيات القرار” شكرا ” للأستاذ الدكتور حسان النعماني
بقلم : دكتور محمد توفيق عميد كلية الآداب

عندما يسدي الينا شخص ما معروفا ؛في احوالنا الطبيعية ، فمن الواجب مكافأته او على الأقل الدعاء له .وهذا الصنيع منهج نبوي ، فما بالك بمن يسدي الينا معروفا في ظروف صعبة ومحنة شديدة اظن ان صاحب هذا النمط من صناع المعروف – يكون جدير بالتقدير والاحترام و المكافأة والدعاء بشكل مضاعف .
وعن تبرير سلوكيات وتصرفات صاحب النمط الثاني من صناع المعروف – فهى اما ان هذا الرجل قد جبل علي هذه السجية وتلك الخصلة الطيبة وأصبحت من مناقبه وطبع من طباعه و ديدنه ؛واما انه يعلم بنظرته الثاقبة ان هؤلاء من يفعل فيهم ولهم المعروف جديرون بذلك وانهم يستحقونه ؛ يشفع لهم ماضيهم وما يتوقعه منهم ولهم في مستقبلهم تاركا الظروف الصعبة التي يمرون بها في حاضرهم جانبا ، لاسيما اذا كانت هذه الظروف لأسباب لا دخل لهم فيها ، فما بالك يا عزيزي بصاحب المعروف الذي تجتمع فيه هاتان الخصلتان : خصلة حبه للمعروف (طبع) وخصلة تقديره للظروف و معرفته بمعادن الناس و طبائعهم و مقدرا لماضيهم و مستشرفا لمستقبلهم .
هذا ما حدث معي من معالي رئيس الجامعة ا.د حسان النعماني رئيس جامعة سوهاج عندما اغدق على شخصيا بوابل من صنائع المعروف سواء اكان ذلك اثناء مرض ابنى او حتى بعد وفاته. و با يجاز شديد هو انني مررت بظروف صعبة وشديدة وقاسية يعلمها البعض – ولا يعلمها الجميع ؛ وهى ان ابني مرض مرضا شديدا وقد استمر مرضه لمدة عام ونصف تقريبا – من شهر سبتمبر 2024 حتى فبراير 2026م عاني فيها ابنى وعانينا نحن معه كثيرا ، وبعد مالا يقل عن 15000ساعة من المعاناة توفاه الله لنفقد بوفاته . اغلي الناس واحبهم وانفعهم (رحمه الله) ليلحق بأمي(جدته الحبيبة) (رحمها الله) التي توفيت قبله بأربعين يوما ليخيم الحزن و يرخي سدوله علي اركان حياتي الأربعة؛ متخللا عظامي و مصاحبا لأنفاسي شهيقا و زفيرا و رفيقا لدقات قلبي ومؤنسا لخطواتى .
ولكم ان تتخيلوا قدر معاناتى المركبة التي افقدتني توازني هو ان تعب ابني جاء بعد شهر واحد فقط من زواجه ؛وشهور من قرار عمادتي لتتحول افراحنا التى لم تتم الى اتراح وتتبدل حياتي وحياة اسرتي من راحة واستقرار وسعادة الى جحيم وأصبحت نهاراتي ليالي مظلمة ولم اعد اتذوق للحياة طعما ولا للطعام مذاقا ،وبدون شك فان هذه الفترة القت بهمومها على عملي ، وكنت بين الحين والحين افكر في تقديم استقالتي حفاظا على سمعتي ومكانتي التي يعرفها الجميع ، ومراعاة لكليتي وخوفا على مصالحها ومصالح الزملاء بها ، غير ان ما منعني من ذلك ، هو ان العمل داخل الكلية كان الى حد ما مرضيا بفضل تكاتف الزملاء وما هذا عليهم بجديد ؛ الى جانب ادراك معالي رئيس الجامعة لظروفي وتقديره لها ؛ فضلا عن المنصب كان داعما لى فى خدمة ابنى فى مرضه .
وبانتهاء فترة معاناتي (الجسدية والمادية ) التي انتهت بموت ابنى(رحمه الله) – انتهت فترة عمادتي في فبراير الماضي ؛وهنا تنفست الصعداء شاكرا تجمل الجميع معي وعلى رأسهم رئيس الجامعة .
ومع اخر يوم في عمادتي انتقلت الى مكتبي القديم حاملا اوراقي وهمومي تاركا إدارة الكلية للسادة الوكلاء الافاضل اومن يراه معالي رئيس الجامعة – بعد ان أبلغت سيادته عبر الواتساب بانتهاء فترتي بحمد الله .
ولا اخفيكم سرا اننى كنت قد قررت قرارا هو عدم الاقتراب مرة اخري من أي عمل اداري اخر او نيل أي منصب ؛ لاسيما ان تجربة العمادة كانت مريرة وقاسية لارتباط فترتها بفقد امي (رحمها الله) ثم ابني (رحمه الله ) وما عشته من معاناة في نصفها الأخير واعيشها الآن وسأظل اعيشها .
وفى ضوء ما قررت أعلنت للزملاء على جروبات الكلية في تغريدة لي بانني لن اترشح مرة اخري لفترة عمادة قادمة فاسحا المجال لمن يريد او يرغب منهم دونما أي حرج او تقديرا لظروفي ، وكانت دوافعي فيما عزمت عليه عديدة من أهمها معاناتي التي عشتها خلال الجزء الأكبر من فترة عمادتي فضلا عن قناعاتي بانه يحب علينا ان نترك المنصب افضل مما يتركنا – لاسيما اذا كانت ظروفنا لا تسمح بان نكون كما كنا.
ولا اعلم كيف وصلت هذه التغريدة لمعالي رئيس الجامعة الذي طلب على الفور مقابلتى قائلا بكل رقي لماذا لا ترغب في الترشح للعمادة مرة اخري ؟ فقلت له: شكرا ياريس على اهتمامك بذلك ؛مبررا له سبب عدم رغبيتى للترشح بان ظروفي لا تسمح، الى جانب اعتبارات اخري يعلم هو جزء منها و ابلغته بالجزء الثاني واحتفظ لنفسي بالجزء الثالث والأخير ؛ومع هذا رفض سيادته كل هذه المبررات مطالبا اياي بالترشح …. فقلت له ربنا يسهل ويقدم ما فيه الخير لكم ولنا !
وبعد الانتهاء من الحديث عما هو قادم (موضوع الترشح) الذي لا يعلمه الا الله ، عاد ليحاورني عن هموم الكلية و شئونها … لينهي سيادته كلامه قائلا : سأصدر لكم قرارا لإدارة الكلية في الفترة القادمة …وقد فعل مشكورا.
وعن هذا القرار(المؤقت) أن كان قد بنى فى صدوره على الفترة السابقة (فترة المعاناة ) واعتمد عليها فهو قرار غير منطقي الى حد ما ، لكوني لم اكن ذلك العميد الذي اتمناه و اتوقعه ويتفق مع معطياتي و امكانياتي و قدراتي التي اكرمني الله بها واعلمها علم يقيني ويعرفها من شاركت معهم او عملت تحت إدارتهم أو شاركتهم أو ترأست إياهم ، ومن ثم لم اكن العميد الذي يريده رئيس جامعة طموح كرئيس جامعتنا ، وان كان من تحليل افتراضي للحيثيات التي اعتمد عليها رئيس الجامعة لاصدار قرار كهذا فقد تكون إنسانية في المقام الأول أراد من خلالها ان يشغلني بما هو مفيد عسي ان يكون في اشغاله لي وتعليله للنفس ما يصبرني على ما انا فيه ، و الحيثية الثانية وهى المرجحة انه يدرك تماما بانني املك من القدرات بفضل الله ثم رعايته ودعمه المطلق وتعاون منسوبى الكلية ما يؤهل للنهوض بالكلية والارتقاء بمقدراتها وانني ساسعي بدون شك على تعويض الفترة السابقة – كجزء من رد الجميل . وهذه الحيثية الجوهرية مع اجتماعها مع الحيثية الاولي( الإنسانية ) أتت اؤكلها فكان القرار .ومثل هذه النظرة لا يؤمن بها و يسبر اغوارها سوي أولى النهي .
واي كانت حيثيات تكليف رئيس الجامعة لي بعمادة الكلية فى الفترة البينية والتي لا يعلمها الا الله ثم هو ؛ فانني اقدرها تماما وهي طوق طوقنى به ، واعده وعد حر؛ انني لن ادخر جهدا ولا سعيا ما حييت الا و ناضلت بهما كي أكون في خدمة كليتي وجامعتي وبلدي كما كنت من قبل – كي أنزل على ارض الواقع الحديث النبوي الشريف القائل ” “مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم
وان كان مسموح لي البوح بأفضل مكافاة تهدي الي رئيس الجامعة و يطلبها ويصر عليها فهى التميز والابداع في عملك وان تخلص له وان تضع نصب عينيك المصلحة العامة ورضى الله عز وجل ؛ وهو ما سنحرص عليه تماما ؛ فضلا على اننا سنلحق عملنا هذا بالدعاء له في هذه الأيام الطيبة بان يجبر الله خاطره قدر جبره لخاطري ، وخواطر العديد ممن اعرف ولا اعرف وهم كثير .وان يوفقنا الله معا لخدمة وطننا الحبيب والغالي وان نكون عند حسن ظن اهل الخير بنا وان نجتهد لرضي الله انه نعم المولي ونعم النصير.
وختاما صدق قول الشاعر . •أبو الفتح البستي:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهُم ….فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
. وكُنْ على الدّهرِ مِعْوَانًا لذي أملٍ…………. يرجو نَداكَ فإنّ الحُرَّ مِعْوانُ .
واشْدُدْ يديك بحبلِ اللهِ معتصمًا……….. فأنّه الرّكنُ إنْ خانتك أركانُ
