رؤيتي
عيد الأضحى … عندما تتحول قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مشروع لبناء الإنسان
بقلم: د. خالد عمران ... نائب رئيس جامعة سوهاج

لا يقف عيد الأضحى المبارك عند حدود كونه مناسبة دينية تتجلى فيها مشاعر الفرح والبهجة، بل يمثل مدرسة إيمانية وتربوية متجددة تزخر بالدروس والعبر التي يحتاجها الإنسان في مختلف مراحل حياته. فخلف كل شعيرة من شعائره رسالة عميقة، وخلف كل موقف من مواقفه قيمة إنسانية قادرة على بناء الفرد وإصلاح المجتمع وترسيخ معاني الإيمان والعمل والعطاء.
وعندما نتأمل قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، التي ارتبط بها هذا العيد المبارك، ندرك أننا لسنا أمام قصة تاريخية تُروى فحسب، وإنما أمام مشروع متكامل لبناء الإنسان وصياغة شخصيته على أسس من الإيمان واليقين والصبر والتضحية. فقد جسد إبراهيم عليه السلام نموذج الإنسان المؤمن الذي جعل طاعة الله فوق كل اعتبار، فاستحق أن يخلد الله ذكره في كتابه الكريم، وأن يجعل سيرته مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة.
وتتجلى أولى رسائل هذا المشروع الإنساني العظيم في قيمة الطاعة الصادقة لله تعالى. فعندما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل، لم يتردد في تنفيذ أمر ربه، كما لم يتردد الابن الصالح في الاستجابة والتسليم، فقال كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. إن هذا المشهد الإيماني الفريد يعلمنا أن بناء الإنسان يبدأ من ترسيخ قيمة الطاعة الواعية القائمة على الثقة بالله واليقين بحكمته ورحمته.
كما يعلمنا عيد الأضحى أن الإنسان لا يبلغ مراتب العظمة إلا إذا امتلك القدرة على التضحية من أجل المبادئ والقيم العليا. فالأضحية ليست مجرد شعيرة تؤدى أو عادة اجتماعية تمارس، بل هي رسالة تربوية عميقة تؤكد أن الحياة لا تستقيم بالأنانية وحب الذات، وإنما بالعطاء والبذل والإيثار. ولذلك يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى حقيقة جوهرية حين يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، فالقيمة الحقيقية للعمل لا تقاس بمظهره الخارجي، وإنما بما يحمله من إخلاص وتقوى وصدق نية.
ومن أعظم الدروس التي تمنحها لنا قصة إبراهيم عليه السلام أن طريق النجاح لا يخلو من الابتلاءات والتحديات. فالحياة بطبيعتها مليئة بالاختبارات التي تكشف معدن الإنسان الحقيقي، وتظهر مدى ثباته على مبادئه. وقد واجه إبراهيم عليه السلام العديد من المحن، لكنه تجاوزها جميعًا بإيمان راسخ ويقين لا يتزعزع، حتى استحق أن يكون إمامًا للناس. وهنا يدرك الإنسان أن الابتلاء ليس عقوبة بالضرورة، بل قد يكون طريقًا إلى الارتقاء والنضج واكتشاف القدرات الكامنة في النفس.
ويحمل عيد الأضحى كذلك رسالة إنسانية واجتماعية بالغة الأهمية تتمثل في تعزيز قيم التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع. فحين تُوزع لحوم الأضاحي على الفقراء والمحتاجين، تتجسد معاني الأخوة والتضامن في أبهى صورها، ويشعر الجميع بأنهم شركاء في الفرح والخير. وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني بقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وهكذا يتحول العيد إلى مناسبة عملية لترسيخ المسؤولية الاجتماعية وتعزيز روح الانتماء والتعاون بين أبناء المجتمع.
كما يمثل العيد فرصة متجددة لإحياء صلة الأرحام وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية التي تعد حجر الأساس في بناء المجتمعات القوية والمستقرة. ففي أيام العيد تتصافح القلوب قبل الأيدي، وتُطوى صفحات الخلافات، وتُفتح أبواب التسامح والمودة، فتعود العلاقات إلى دفئها الطبيعي، ويستعيد المجتمع جزءًا من تماسكه الذي يحتاج إليه في مواجهة تحديات العصر.
ومن الدروس المهمة التي يذكرنا بها عيد الأضحى قيمة الشكر والامتنان لله تعالى على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى. فالإنسان كثيرًا ما ينشغل بما ينقصه وينسى ما أُعطي، بينما يدعوه العيد إلى التأمل في نعم الله واستحضار فضله. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فالفرح الحقيقي هو ذلك الذي يرتبط بالقرب من الله واستشعار نعمه والعمل بما يرضيه.
وفي واقعنا المعاصر، تبدو هذه الدروس أكثر احتياجًا من أي وقت مضى. فالعالم اليوم يحتاج إلى إنسان يمتلك قوة الإيمان، وصدق الالتزام، وروح التضحية، والقدرة على التعاون والتسامح. يحتاج إلى إنسان يدرك أن بناء الأوطان يبدأ من بناء الذات، وأن تقدم المجتمعات لا يتحقق بالموارد المادية وحدها، وإنما يتحقق قبل ذلك بالإنسان الواعي الذي يحمل القيم ويحولها إلى سلوك وممارسة وعمل.
ومن هنا تتجاوز قصة إبراهيم عليه السلام حدود الزمان والمكان لتظل مشروعًا متجددًا لبناء الإنسان في كل عصر. فهي تعلمنا كيف ننتصر على أهوائنا، وكيف نقدم الواجب على المصلحة الشخصية، وكيف نثق بالله في أوقات الشدة، وكيف نحول الإيمان من شعارات ترددها الألسنة إلى واقع ينعكس في الأخلاق والسلوك والمعاملات.
إن عيد الأضحى المبارك ليس مجرد ذكرى لقصة عظيمة وقعت في الماضي، بل هو دعوة متجددة إلى استلهام معانيها وتطبيق قيمها في حياتنا اليومية. فكلما اقترب الإنسان من قيم الطاعة والإخلاص والتضحية والرحمة والتكافل، اقترب أكثر من تحقيق الرسالة الحقيقية لهذا العيد المبارك، وأسهم في بناء نفسه ومجتمعه ووطنه على أسس راسخة من الخير والإيمان والإنسانية.
اللهم اجعل عيد الأضحى المبارك عيد خير وبركة وسلام على مصرنا الغالية وعلى الأمة العربية والإسلامية، واملأ قلوبنا بالإيمان والرضا والمحبة، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، واجعلنا من عبادك الصالحين المقبولين، واحفظ أوطاننا من كل سوء، إنك سميع مجيب الدعاء.
اللهم آمين يارب العالمين
وكل عام وأنتم بخير