Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رؤيتي

“الثانوية العامة 2026.. امتحان في القاعات واختبار للقيم”

بقلم: أ.د. خالد عمران نائب رئيس جامعة سوهاج أستاذ المناهج وطرق التدريس كلية التربية – جامعة سوهاج

في الحادي والعشرين من شهر يونيو الجاري، ينطلق ماراثون امتحانات الثانوية العامة للعام الدراسي 2025/2026، لتبدأ معه واحدة من أهم المحطات التعليمية في حياة مئات الآلاف من الطلاب والطالبات في مختلف محافظات الجمهورية. وفي هذه الأيام تتجه أنظار المجتمع المصري بأسره نحو لجان الامتحانات، حيث تمتزج الأحلام بالطموحات، وتتجسد سنوات من الجهد والمثابرة في رحلة يسعى خلالها أبناؤنا إلى تحقيق أهدافهم ورسم ملامح مستقبلهم.
ولعل ما يميز الثانوية العامة عن غيرها من المراحل الدراسية أنها لم تعد مجرد اختبارات أكاديمية تقيس مستوى التحصيل الدراسي، بل أصبحت حدثًا مجتمعيًا متكاملًا تتفاعل معه الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة كافة. فهذه المرحلة تمثل نقطة تحول فارقة في حياة الشباب، وتعد بوابة مهمة للانتقال إلى التعليم الجامعي والانطلاق نحو آفاق أوسع من التعلم والعمل والإبداع.
ومن واقع خبرتي أستاذًا للمناهج وطرق التدريس بكلية التربية، ونائبًا لرئيس جامعة سوهاج لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، أؤكد أن الامتحانات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لقياس جانب من جوانب التعلم، بينما يظل الهدف الأسمى للتعليم هو بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الدرجات التي يحصل عليها الطالب، وإنما بما يمتلكه من قيم ومهارات وقدرة على مواجهة تحديات الحياة.
وتأتي امتحانات هذا العام في ظل جهود كبيرة تبذلها الدولة المصرية لتطوير منظومة التعليم وتعزيز مبادئ العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص. فقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في أساليب التقويم وإدارة الامتحانات، بما يعكس حرص الدولة على توفير بيئة تعليمية أكثر كفاءة وانضباطًا، وإيمانها بأن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن.
ورغم أهمية هذه المرحلة، فإن من الضروري ألا تتحول الثانوية العامة إلى مصدر للقلق المفرط أو الخوف غير المبرر. فكثير من الطلاب يعيشون تحت ضغوط نفسية كبيرة نتيجة تضخيم أهمية الامتحانات وربط مستقبلهم بالكامل بالمجموع النهائي. والحقيقة أن الحياة أوسع بكثير من امتحان، وأن فرص النجاح لا تتوقف عند نتيجة أو شهادة، بل تتعدد بتعدد القدرات والمهارات والطموحات.
ومن هنا فإن رسالتي الأولى إلى أبنائي الطلاب وبناتي الطالبات هي أن يثقوا في أنفسهم وفي ما بذلوه من جهد طوال العام الدراسي، وأن يدخلوا لجان الامتحانات بهدوء وثبات وإيمان بقدراتهم. فالتركيز الجيد، وتنظيم الوقت، والابتعاد عن التوتر، عوامل لا تقل أهمية عن المراجعة والاستعداد العلمي. كما أن الانشغال بالشائعات أو متابعة ما يُتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد يشتت الذهن ويهدر الطاقة التي ينبغي توجيهها نحو أداء الامتحان بأفضل صورة ممكنة.
أما أولياء الأمور، فإن دورهم خلال هذه الفترة لا يقل أهمية عن دور الطلاب أنفسهم. فالأبناء يحتاجون إلى من يمنحهم الثقة ويزرع في نفوسهم الطمأنينة، لا إلى من يزيد من حجم الضغوط الواقعة عليهم. إن كلمة تشجيع صادقة، أو موقف دعم نفسي بسيط، قد يكون له أثر يفوق عشرات ساعات المذاكرة. ولذلك فإن من واجب الأسرة أن تهيئ مناخًا هادئًا ومستقرًا يساعد الأبناء على التركيز ويعزز ثقتهم بأنفسهم.
وفي خضم الاستعدادات للامتحانات، تظل قضية الغش واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد العملية التعليمية وتقوض أهدافها. فالغش ليس مجرد مخالفة للقوانين واللوائح، بل هو سلوك يتعارض مع جوهر التربية ورسالة التعليم. والطالب الذي يعتمد على الغش قد يحصل على درجات لا يستحقها، لكنه يفقد في المقابل قيمة الاجتهاد ومتعة الإنجاز الحقيقي والثقة بقدراته الذاتية.
والأخطر من ذلك أن الغش لا يضر بالفرد وحده، بل يضر بالمجتمع بأسره، لأنه يخل بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، ويمنح غير المستحقين مزايا لا يستحقونها على حساب المجتهدين. كما أن استمرار هذه الثقافة يؤدي إلى تخريج أفراد يحملون مؤهلات لا تعكس مستوى كفاءتهم الحقيقي، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الأداء في مختلف المهن والقطاعات. ولذلك فإن محاربة الغش ليست مسؤولية الجهات التعليمية وحدها، وإنما مسؤولية مجتمعية وأخلاقية تتطلب تعاون الجميع من أجل ترسيخ قيم الأمانة والنزاهة والاستحقاق.
إن الأمم لا تُبنى بالغش أو التحايل، وإنما تُبنى بالعلم والعمل والالتزام. وما أحوجنا اليوم إلى ترسيخ ثقافة تؤمن بأن الطريق إلى النجاح قد يكون طويلًا، لكنه يجب أن يكون شريفًا ونظيفًا وعادلًا، لأن النجاح الذي يتحقق بالاجتهاد هو وحده القادر على الاستمرار وصناعة المستقبل.
وفي هذه المناسبة، أتوجه بالتحية والتقدير إلى المعلمين والمراقبين ورؤساء اللجان وجميع القائمين على تنظيم الامتحانات، الذين يؤدون رسالة وطنية عظيمة تتطلب الإخلاص والانضباط وتحمل المسؤولية. كما أحيي كل أسرة مصرية وقفت إلى جوار أبنائها وساندتهم في رحلة الكفاح من أجل العلم والمعرفة.
وفي الختام، أتمنى من القلب لأبنائنا الطلاب وبناتنا الطالبات التوفيق والنجاح وأن يحققوا ما يتطلعون إليه من آمال وطموحات، وأن تكون هذه الأيام بداية مشرقة لمسيرة علمية ومهنية حافلة بالعطاء والإنجاز. كما أتمنى لأولياء الأمور الطمأنينة والسعادة برؤية ثمار جهود أبنائهم، وأن يظلوا دائمًا مصدر دعم وإلهام لهم. وأتمنى لمجتمعنا المصري أن تترسخ فيه قيم العلم والنزاهة والعمل الجاد، وأن يزداد إيمان أفراده بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان. كما أدعو الله أن يحفظ مصر الغالية، وأن يوفق أبناءها إلى كل خير، وأن يجعل من شبابها قوة دافعة نحو التنمية والتقدم والازدهار، وأن تبقى رايتها عالية بعقول أبنائها المخلصين وجهودهم وإنجازاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى