Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
استشارات

الإقامة الجبرية الذاتية.. عندما يختار الضحية أن يدفن نفسه حيًا

تحقيق: نادية صلاح البدري - ندي أحمد عبد العال

نزلنا الشارع والبيوت والعيادات النفسية لمدة شهر كامل نبحث عن إجابة سؤال واحد: “ليه شاب في عز شبابه أو بنت في وردة عمرها يقفلوا على نفسهم الباب بالشهور ويعلنوا الحداد على حياتهم وهم أحياء؟”.

الإقامة الجبرية التي نتحدث عنها هنا لا يفرضها قانون، بل يفرضها “قلب مكسور وعقل مرعوب”. هذا تحقيق عن السجن الذي لا تراه العين، لكن ضحاياه بالملايين.

المحور الأول: صوت الشارع.. ماذا يقول الجمهور؟

نزلنا سألنا 50 شخص في 3 محافظات: “لو عرفت إن جارك قافل على نفسه بقاله 6 شهور مش بيخرج.. هتقول عليه إيه؟”

1. الرأي السائد 60%: “وصمة وتنمر”
– عم حسن، 55 سنة، صاحب قهوة: “يبقى عامل عملة. مفيش حد بيعمل كده من الباب للطاق. الشاب السليم يخرج ويسترجل”. – ميرنا، 22 سنة، طالبة: “هنقول عليها مكتئبة وبتتدلع. الجيل ده بيحب الدراما. زمان كان عندنا هموم وما كناش بنتحبس”. – أم محمد، 40 سنة، ربة منزل: “يا خوفي يكون بيشرب حاجة ولا عامل مصيبة. الأهالي بيداروا على عيالهم”.

التحليل: الجمهور لا يرى “مريضًا”، يرى “مذنبًا” أو “مدلعًا”. وهذا أول مسمار في نعش الضحية.

2. الرأي المتعاطف 30%: “جيل غلبان” – أ. أحمد، 35 سنة، موظف: “العيال دي شافت ضغط إحنا ما شفناهوش. تنمر في المدارس، بطالة، سوشيال ميديا بتاكل نفسيتهم. غصب عنهم”. – دينا، 28 سنة، مهندسة: “أنا نفسي مريت بفترة قفلت على نفسي 3 شهور بعد ما اتخطبت وفسخت. الناس مفكرة الخروج سهل، وهو أتقل من جبل”.

3. الرأي اللامبالي 10%: “كل واحد حر”
– كريم، 19 سنة: “براحته. هو حر في حياته. مش هحكم عليه”. وخلاصة صوت الشارع: المجتمع لا يزال يتعامل مع الألم النفسي كـ”تهمة” أو “دلع”، لا كـ”مرض”. وهذا هو السبب الأول لخوف الضحية من الخروج.

المحور الثاني: صرخة من خلف الأبواب.. شهادات الأسر

دخلنا 4 بيوت “فيها سجين ذاتي”. الأمهات والآباء هم الضحايا الصامتون. شهادة 1: أم يوسف – ابنها 20 سنة محبوس في أوضته من سنة بعد فصله من الجامعة “ابني كان شعلة نشاط. بعد ما اترفد من الكلية عشان ظلم، اتبدل. أولها قالي سيبيني أسبوعين. الأسبوعين بقوا سنة. بقيت أدخله الأكل وأخده من على الباب. لو خبطت عليه يصرخ. أبوكي مات وأنت حي. قلبي بيتقطع كل يوم. وديته لدكاترة قالوا اكتئاب حاد. طيب أطلعه إزاي؟ بخاف أضغط عليه ينتحر. وبخاف أسيبه يموت بالبطيء”.

شهادة 2: زوجة “أ. طارق” – 45 سنة قفل على نفسه بعد خسارة كل فلوسه في مشروع
“جوزي سندي بقى عالة. قاعد في الأوضة بالبيجامة من 8 شهور. ريحته طلعت. دقنه طولت. لما بزعق له عشان يقوم، يقولي: سيبيني أميت بالراحة. أنا بقيت أم وأب وأشتغل وأراعي عيالي وأراعيه. اتحولت لممرضة في بيتي. بنتي الصغيرة بتقولي: هو بابا زعلان مننا ليه؟ أرد أقول إيه؟”.

القاسم المشترك في شهادات الأسر:
1. إحساس ذنب قاتل: “إحنا قصرنا في إيه؟”.
2. العجز الكامل: “لا عارفين نشد عليه ولا نسيبه”.
3. تحول البيت لمستشفى كئيبة: “البيت بقى ليه ريحة المرض”.
4. انهيار مادي ونفسي للأسرة كلها: الزوجة أو الأم تصاب بالقلق والاكتئاب بالتبعية.

المحور الثالث: كلمة العلم.. تشخيص الأساتذة المتخصصين

عرضنا الحالات على 3 متخصصين: طب نفسي، علم اجتماع، صحة نفسية. 1. الرأي الطبي النفسي
أ.د. مصطفى شعلان – أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس: “ما نراه هو وباء صامت اسمه ‘اضطراب الانسحاب الاجتماعي الحاد’ أو ما يسمى عالميًا Hikikomori. الأسباب: صدمة + وصمة + قابلية جينية للقلق. المخ بيدخل في وضع Fight or Flight ويختار Flight دائم. وأخطر ما في الأمر: بعد 6 شهور عزلة، تقل كتلة المادة الرمادية في المخ المسؤولة عن التواصل. المريض يتحول لسجين بيولوجي. العلاج لا بد أن يكون دوائي لضبط كيمياء المخ + سلوكي معرفي لإعادة التأهيل. تركه بدون علاج جريمة. نسبة التفكير الانتحاري في هذه الفئة تتجاوز 40%”.

2. الرأي الاجتماعي د. سلوى عبد الباقي – أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة: “المجتمع المصري فقد ‘شبكة الأمان الاجتماعي’. زمان، لو واحد اتحبس في بيته، كان أهل الحارة كلهم يكسروا عليه الباب. دلوقتي الفردانية قتلتنا. الجار ميعرفش جاره.
المشكلة الثانية: ثقافة ‘الفضيحة’. أي سقوط هو فضيحة، فالضحية تختار الاختفاء بدل المواجهة. نحن نصنع ‘ثقافة المقابر المنزلية’. نحن نحاكم الضحية ونسامح الجاني. وهذا سبب رئيسي في تفشي الظاهرة”.

3. رأي العلاج النفسي السلوكي
أ. منى السيد – معالج نفسي إكلينيكي:
“السجن الذاتي له قاعدة واحدة: ‘التجنب يغذي الخوف’. كل يوم هروب = الخوف يكبر. العلاج الوحيد هو ‘التعرض التدريجي المنظم’. الخطة: لا نقول للمريض ‘انزل الشارع’. نقول له: ‘اليوم هتفتح الشباك دقيقة’. بكرة: ‘هتقف على باب الشقة دقيقتين’. بعده: ‘هتنزل تجيب عيش وترجع’. المخ لا يقاوم الخطوات الصغيرة. بعد 3 شهور، يعود المريض للحياة. لكن بدون معالج، الأهل يفشلون لأنهم إما يضغطون بعنف أو يتدللون بزيادة، وكلهما خطأ”.

المحور الرابع: الخلاصة والمواجهة – كيف نهدم السجن؟  التحقيق يخلص إلى 5 حقائق:

1. حقيقة نفسية: الإقامة الجبرية الذاتية مرض وليست دلع. وتركها بدون علاج قد يؤدي للانتحار أو عاهة نفسية مستديمة.
2. حقيقة اجتماعية: المجتمع شريك في الجريمة. تنمرنا، ووصمنا، ولومنا للضحية هو من يبني جدران الزنزانة.
3. حقيقة أسرية: الأهل المحبون قد يكونون ضررًا دون قصد. الحضن الزائد أو اللوم الزائد كلاهما يثبت المريض في سريره.
4. حقيقة رقمية: “خط نجدة الطفل 16000″ و”الأمانة العامة للصحة النفسية 16328” يستقبلون آلاف الحالات المشابهة سنويًا. طلب المساعدة ليس عارًا.
5. حقيقة إنسانية: باب السجن له أكرة من الداخل، لكن الضحية أحيانًا تكون أضعف من أن تلفها وحدها. كلمة “أنا جنبك ومصدقك” منك قد تكون هي المفتاح.

رسالة أخيرة من داخل التحقيق:
إلى كل “سجين ذاتي” يقرأ الآن: وجعك حقيقي، وخوفك مبرر، واللي خذلوك عايشين حياتهم. سجنك لن يعاقبهم، سيعاقبك أنت فقط. الدنيا برة فيها وجع أيوه، لكن فيها كمان دوا. وفيها ناس شبهك عدوا واتعافوا.

وأنت يا من تقرأ ولست سجينًا: اخبط على باب جارك المنعزل. متقولش “بكرة يروق”. بكرة قد يكون متأخرًا. رسالة واحدة، زيارة واحدة، قد تمنع كارثة.

لأن السجن الأوسع ليس أوضته.. السجن الأوسع هو صمتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى