التنمر في المدارس ودور الإعلام في التوعية بآثاره السلبية
حوار صحفي أجرته: سوزان مكرم ناشد - مادونا عطوان راغب

في زمنٍ تتسارع فيه التغيرات داخل مجتمعاتنا، لم تعد المدرسة مجرد مكانٍ للتعليم، بل أصبحت مرآةً تعكس سلوكيات وقيم الأجيال الجديدة. ومن بين الظواهر التي تفرض نفسها بقوة داخل البيئة المدرسية، تبرز ظاهرة التنمر كأحد أخطر التحديات التربوية والنفسية التي تهدد استقرار الطلاب وسلامهم النفسي.
فالتنمر لم يعد مجرد “موقف عابر” بين الطلاب، بل أصبح سلوكا ممنهجا قد يترك آثارا عميقة تمتد لسنوات، تؤثر على الثقة بالنفس، والتحصيل الدراسي، بل وقد تصل إلى الصحة النفسية بشكل عام.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل مهم: أين يقف الإعلام من هذه الظاهرة؟ وهل يقوم بدوره الحقيقي في التوعية، أم يكتفي بالنقل دون التأثير؟
لمناقشة هذه القضية المهمة، يسعدنا أن نستضيف خبيرا تربويا متخصصا في الإعلام التربوي هو الدكتور مرزوق العادلي أستاذ الإعلام المساعد بقسم الإعلام التربوي بكلية التربية النوعية جامعة سوهاج، ليفتح لنا آفاق الفهم حول أسباب التنمر، وآثاره، ودور الإعلام في مواجهته وبناء وعي مجتمعي قادر على الحد منه.
أهلاً بحضرتك دكتور معنا…
- في البداية، نحب أن نضع تعريفا واضحا للقراء… فلو سألناك: ما المقصود بالتنمر في المدارس؟ وما الذي يميزه عن مجرد الخلافات أو المشاحنات العادية بين الطلاب؟
أجاب الدكتور مرزوق العادلي بأن التنمر في المدارس سلوك عدواني متكرر، يقوم به طالب أو مجموعة من الطلاب تجاه طالب آخر، بهدف إيذائه نفسيا أو جسديا أو اجتماعيا، مع وجود نوع من اختلال القوة بين الطرفين، سواء كانت قوة بدنية أو نفسية أو حتى اجتماعية.
- وما أخطر الآثار التي يمكن أن يسببها التنمر للطلاب، سواء على المدى القريب أو البعيد؟
أوضح الدكتور مرزوق العادلي أن أخطر آثار التنمر لا تقتصر على لحظة الموقف، بل تمتد لتؤثر على حياة الطالب بالكامل، ومنها:
آثار نفسية: مثل القلق، الاكتئاب، فقدان الثقة بالنفس، والشعور بالعزلة
آثار تعليمية: تراجع في التحصيل الدراسي، وفقدان الرغبة في الذهاب إلى المدرسة.
آثار سلوكية: قد يتحول الضحية إلى شخص عدواني أو منطوي
آثار طويلة المدى: صعوبات في العلاقات الاجتماعية مستقبلا، وقد تستمر المشكلات النفسية لسنوات.
وفي بعض الحالات الشديدة، قد يصل الأمر إلى أفكار إيذاء النفس، وهو ما يجعل التعامل مع التنمر ضرورة تربوية وإعلامية عاجلة، وليس مجرد مشكلة عابرة.
- وما الدور الذي يجب أن تقوم به المدرسة لمواجهة ظاهرة التنمر والحد من انتشارها بين الطلاب؟
أكد العادلي أن دور المدرسة محوري في مواجهة التنمر، ويشمل عدة محاور أساسية، وهي علي النحو الآتي:
وضع سياسات واضحة: وجود لائحة صارمة تجرم التنمر وتحدد آليات التعامل معه.
التوعية والتثقيف: من خلال الأنشطة المدرسية، والإذاعة، والحصص التوعوية.
الملاحظة المبكرة: متابعة سلوك الطلاب واكتشاف الحالات في بدايتها.
الدعم النفسي: توفير أخصائيين نفسيين لمساندة الضحايا والتعامل مع المتنمرين.
تعزيز القيم: من خلال نشر ثقافة الاحترام والتسامح وقبول الآخر داخل المدرسة.
التواصل مع الأسرة: لأن حل المشكلة يحتاج تكاملًا بين البيت والمدرسة.
- وماذا عن دور الأسرة في مواجهة ظاهرة التنمر؟ وكيف يمكن للوالدين حماية أبنائهم، سواء كانوا ضحايا أو حتى ممارسين لهذا السلوك؟
بين العادلي أن دور الأسرة أساسي ولا يقل أهمية عن المدرسة، لأنه يبدأ من البيت، ويتمثل في: التربية على القيم: من خلال غرس الاحترام، التعاطف، وقبول الآخر منذ الصغر، والمتابعة اليومية: مع ملاحظة أي تغيرات في سلوك الأبناء أو حالتهم النفسية، والحوار المفتوح: بخلق مساحة آمنة للطفل ليحكي دون خوف أو عقاب، وعدم التهاون: من خلال التعامل بجدية مع أي سلوك تنمر سواء من الابن أو عليه، ثم التعاون مع المدرسة: من خلال التواصل المستمر لحل المشكلة بشكل متكامل
وكذلك القدوة: لأن سلوك الوالدين ينعكس مباشرة على الأبناء.
- في ظل التأثير الكبير لوسائل الإعلام على تشكيل وعي وسلوك الأفراد… كيف يمكن للإعلام أن يسهم بشكل فعال في الحد من ظاهرة التنمر، والتوعية بآثاره السلبية على الأفراد والمجتمع؟
أجاب العادلي بأن الإعلام يلعب دورا محوريا في مواجهة التنمر من خلال: نشر الوعي: بتقديم محتوى يوضح التنمر وأنواعه وآثاره بأسلوب مبسط وجذاب، وكذلك تصحيح المفاهيم: من خلال مواجهة ثقافة السخرية أو “التقليل” من خطورة التنمر.
عرض نماذج إيجابية: من خلال إبراز قصص واقعية عن التعاطف وقبول الآخر، وإنتاج أعمال درامية هادفة: تسلط الضوء على خطورة الظاهرة وتأثيرها النفسي، وإطلاق حملات توعوية: عبر التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي. ثم محاولة التأثير في الرأي العام: من خلال خلق اتجاه مجتمعي رافض للتنمر
- في رأيك، هل يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي سببا في زيادة ظاهرة التنمر بين الطلاب؟ أم أنها مجرد وسيلة تعكس ما يحدث بالفعل في الواقع؟
نعم، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تسهم في زيادة التنمر، خاصة فيما يعرف بـالتنمر الإلكتروني، وذلك لعدة أسباب:
سهولة الإساءة: إخفاء الهوية أو البعد خلف الشاشة يجعل البعض أكثر جرأة على إيذاء الآخرين
الانتشار السريع: أي تعليق أو صورة مسيئة يمكن أن تنتشر في لحظات وتصل لعدد كبير من الناس
استمرارية الأذى: التنمر لا يتوقف عند حدود المدرسة، بل يلاحق الضحية في كل وقت.
ضعف الرقابة: صعوبة متابعة كل ما ينشر أو يقال على المنصات وفي المقابل، يمكن استخدام السوشيال ميديا بشكل إيجابي من خلال نشر التوعية، ودعم الضحايا، وإطلاق حملات مجتمعية مؤثرة.
- في ختام هذا اللقاء… ما الرسالة التي تود توجيهها لأبنائنا الطلاب، للتعامل بشكل واع مع ظاهرة التنمر، سواء كانوا ضحايا أو شهودا أو حتى ممارسين له؟
رسالتي لكل طالب:
كن واعيا أن الكلمة قد تجرح أكثر من الفعل، وأن الضحك على الآخرين ليس قوة بل ضعف. وإذا كنت تتعرض للتنمر، فأنت لست وحدك، وطلب المساعدة ليس عيبا بل شجاعة. وإذا كنت تمارس هذا السلوك، فتذكر أن ما تفعله قد يترك أثراً لا ينسى في نفس غيرك.
كن إنسانا قبل أي شيء… داعما لا مؤذيا، معينا لا ساخرا. فالمجتمع الذي نحلم به يبدأ من سلوك إيجابي داخل فصل دراسي.
وفي النهاية، يؤكد هذا الحوار أن التنمر ليس مجرد سلوك عابر، بل قضية تربوية وإنسانية تتطلب وعيا حقيقيا وتكاتفا بين المدرسة والأسرة والإعلام. فبكلمة بسيطة يمكن أن نؤذي، وبكلمة أخرى يمكن أن ننقذ. ويبقى الأمل في جيلٍ أكثر وعيا، يدرك أن الاحترام هو أساس القوة، وأن دعم الآخرين هو الطريق لبناء مجتمع أكثر إنسانية.